
بنشاب : تشكل لنا نحن الموريتانيين الذين رزحنا تحت الاحكام الدكتاتورية القمعية،منذ فجر الاستقلال 1960،الى 2005، المواد المحصنة في الدستور أحد أهم الضمانات القانونية التي تحمي استقرار الدولة وتصون توازنها السياسي والمؤسساتي،وتكبح سلطة الفرد والسلاح. فهي ليست مجرد نصوص جامدة،وانما تمثل تعاقدا أساسيا ومصيريا بين السلطة والشعب، ويُفترض أن تبقى بعيدة عن التجاذبات السياسية الظرفية،والمتاجرة مع النظام بالنفاق وتحطيم أسس بناء الدولة من اجل دراهم معدودة،او وظيفة سخيفة.
و تعتبر أي محاولة للمساس بهذه المواد، سواء بشكل مباشر أو عبر تأويلات سياسية، مرفوضا مطلقا، و ذلك لما تثير من مخاوف مشروعة حول مستقبل دولة القانون و مدى احترام مبدأ سمو الدستور، الذى تستبيحه السلطة القائمة فى المجال القضائي.
إن اي محاولة للاقدام على تعديل أو الالتفاف على المواد المحصنة سيفتح الباب أمام سابقة خطيرة، قد تُضعف الثقة في المؤسسات و تخلق انطباعا بأن الضوابط الدستورية قابلة للتجاوز متى ما تعارضت مع مصالح السلطة التنفيذية،و قد يجر ذلك الى عدم استقرار داخلى و فوضى لا يتحكم فيها احد و لا يستطيع الوقوف فى وجهها.
و هذا ما يجعل من الواجب و الحتمى إشراك مختلف القوى الوطنية، السياسية و المدنية، في أي نقاش يتعلق بمثل هذه القضايا الحساسة، حفاظا على الاستقرار و منعا لانزلاق البلاد نحو أزمات دستورية، و ليس فقط المشاركون الحاليون، الذين فرضهم الواقع او انتقتهم وزارة الداخلية.
و في سياق موازٍ، تبرز السياسات الاقتصادية الحالية كعامل إضافي في تعقيد المشهد، بشكل عام سواء الوضع المعيشي المخيف لشعب فقير تتحكم ثلة منه فى مقدراته و تحدد مصيره كقطيع من البهائم.
و على السلطات القائمة ان تدرك جيدا انه، لا يفوت على اي كان المسار الكارثي الذي تتجه نحوه الاوضاع الاقتصاجية و القدرة الشرائية، ل: 4مليون فقير.
فبدلا من التخفيف عن كاهل المواطن، خاصة الفئات الهشة، يبدو أن الاتجاه العام يسير نحو زيادة الضرائب و ارتفاع الأسعار، و هو ما ينعكس سلبا على القدرة الشرائية و يزيد من معاناة المواطن البسيط.
إن هذه السياسات، ليست مبررة مطلقا، و ان اعتبارات السلطة المالية أو الإصلاحية، التى تقول الحكومة انها تحتاج إلى قدر كبير من التوازن، فان الواقع ينافي ذلك و العدالة الاجتماعية، تنافيه و تنكره.
فالمواطن الذي يواجه غلاء المعيشة و تراجع الخدمات الأساسية، لا يمكنه تقبل المزيد من الأعباء دون رؤية واضحة للإصلاحات أو نتائج ملموسة على أرض الواقع، و ليس شعارات او ادعاء انجازات فى غرف مكيفة و كأن الشعب مفقوع العينين او لايرى و لا يسنع و لا يحس.
لهذا، فإن أي سياسة اقتصادية ناجحة يجب أن تقوم على مبدأ تقاسم الأعباء بشكل عادل، مع حماية الفئات الأكثر هشاشة من الانزلاق نحو الفقر المدقع و الفاقة.
و إن الجمع بين التوترات الدستورية و الضغوط الاقتصادية قد يؤدي إلى حالة من الاحتقان الاجتماعي، و هو ما يستدعي من الحكومة مراجعة أولوياتها، و اعتماد نهج أكثر شفافية و تشاركية في اتخاذ القرارات، خصوصا انها تسير شعبا فقيرا و لكنه مثقف و واعى.
فالحفاظ على الاستقرار لا يتحقق فقط عبر النصوص، بل من خلال بناء الثقة مع المواطن و الاستجابة لتطلعاته.
و في الختام، تبقى المسؤولية مشتركة بين السلطة و المجتمع في حماية الدستور و ضمان العدالة الاقتصادية، لأن أي خلل في أحدهما ينعكس مباشرة على الآخر، و يهدد تماسك الدولة و مستقبلها،و يدفعها الى قاع الكوارث التى تتربصها.
