
بنشاب : ليس الصبر، في جوهره، ضعفًا ولا تراجعًا، بل هو خُلُق راسخ وقيمة نبيلة تُحمد في مواضعها. غير أن الصبر، حين يُستدعى في غير سياقه، ويتحول إلى غطاءٍ للصمت على انتهاك الأرواح وتهديد الأرزاق، يفقد معناه الأخلاقي، ويغدو عبئًا على الضمير ومسؤولية ثقيلة على كاهل من أوكلت إليهم حماية الناس.
إن الدولة، وهي تضطلع بواجبها الأول، لا تُختبر في لحظات الرخاء، بل في مواطن الخطر، حين تتعرض حياة مواطنيها ومصالحهم لاعتداءٍ أو تهديد. وهنا لا يكون الصبر خيارًا مفتوحًا بلا حدود، ولا تكون المجاملة الدبلوماسية مبررًا لتكرار الألم، ولا تصلح روابط الجوار—على ما لها من قدسية—ستارًا يُحجب خلفه التقصير في صون الدماء.
لقد شهدت دول الجوار الموريتاني، في فترات متقاربة، أحداثًا مؤلمة كان ضحيتها مواطنون أبرياء، خرجوا طلبًا للرزق فعادوا ضحايا لاضطراب الأوضاع أو سوء التقدير أو غياب الضبط. ففي مالي الشقيقة، سقط منمون وتجار موريتانيون في ظروف مأساوية، داخل فضاء يفترض أن تُحترم فيه حرمة الإنسان قبل أي اعتبار. كما لم تكن الصحراء، التي قصدها منقبون بسطاء بحثًا عن لقمة العيش، بمنأى عن الخطر، حيث طالتهم نيران الجيش في مناطق حدودية مع المغرب، في مشاهد تختلط فيها المأساة بالأسئلة الثقيلة حول حدود المسؤولية وواجب الحماية.
إن استحضار هذه الوقائع لا يراد به تأجيج الخصومات ولا تقويض أواصر الأخوة التي تجمع الشعوب، فالجوار قدر، والتاريخ المشترك رصيد لا يُفرّط فيه. غير أن الأخوة الصادقة لا تُبنى على التغاضي عن الألم، ولا على تبرير الخطأ، بل على الوضوح، والاحترام المتبادل، والحرص المشترك على صون الأرواح.
الإرادة المسؤولة هي تلك التي توازن بين الحفاظ على العلاقات الودية مع الجيران، وبين القيام الحازم بواجب حماية المواطنين، دون تردد أو تسويف. وهي التي تدرك أن كرامة الإنسان لا تُجزّأ، وأن أمنه ليس مجالاً للمساومة، وأن الدم إذا أُهدر مرة دون موقف واضح، فإنه يفتح بابًا لتكرار المأساة.
ومن ثم، فإن المطلوب ليس القطيعة ولا التصعيد، بل موقفٌ واضح، يُعيد الاعتبار لقيمة الإنسان، ويؤسس لعلاقات جوار قائمة على الاحترام المتبادل والالتزام الصارم بعدم المساس بالأبرياء. موقفٌ يجعل من حماية المواطن أولوية لا تعلوها اعتبارات، ومن الصبر فضيلةً منضبطة لا ذريعةً مفتوحة.
فالأوطان تُصان حين تُصان حياة أبنائها، وتُحترم حين يكون صوتها حاضرًا حيث يجب، لا صامتًا حيث لا يجوز الصمت.
