
بنشاب : عندما ينظر المواطن الغيور على البلد إلى واقعه بعد خمسة وستين عاما من الاستقلال، يحق له أن يتساءل بامتعاض أين الأثر التنموي للنخب المالية الوطنية وهي تعد بالعشرات وتمتلك ثروات طائلة في الأرصدة ومتاع الحياة الرغدة من مباني وسيارات وزينة التباهي؟
فالبلد ليس فقيرا في موارده حتى يلتمس له العذر، فهو يزخر بثروات معدنية هائلة متنوعة منها الحديد والذهب، وشواطئ من أغنى مناطق الصيد في العالم، وقطعان كبيرة من الماشية، ونهر دائم الجريان، وأراض زراعية خصبة، وواحات نخيل ممتدة، وغاز وامكانات طاقوية متعددة، إضافة إلى موقع جغرافي يمنحه إمكانات اقتصادية واعدة.
ورغم ذلك، يصعب على المتابع أن يعثر على أسماء رجال أعمال تركوا بصمات تنموية تليق بهذه الإمكانات. فلا مصانع كبرى خارج إطار الاستغلال المباشر للموارد الخام، ولا مؤسسات خيرية رائدة ذات أثر مستدام، ولا استثمارات واسعة في البحث العلمي أو التكوين المهني أو التنمية المحلية يمكن أن تحتذى.
لقد نجحت فئات من الأثرياء في تكوين الثروات، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في تحويل جزء ملموس منها إلى مشاريع تغير وجه المجتمع، وتخلق فرص العمل، وتساهم في محاربة الفقر والبطالة وتدعم مجهود الدولة. وكأن الطموح يتوقف عند حدود تراكم المال والاستعراض بمظاهره، بدلا من أن يمتد إلى صناعة الأثر وترك إرث تنموي حقيقي.
فالثروة الحقيقية لا تقاس بعدد الحسابات البنكية، ولا بعلو الأسوار، ولا بفخامة السيارات، وإنما بما تتركه وراءها من مصانع ومدارس ومستشفيات ومزارع ومراكز تكوين ومناصب شغل. بذلك المعيار وحده تقاس مساهمة الأغنياء في نهضة الأمم، وهو المعيار الذي ما زال كثيرون يرون أن موريتانيا لم تبلغ فيه ما تستحقه من طموح وإنجاز.
