
بنشاب : تقوم رسائل الرئيس بيرام الداه اعبيد على مشروع تغيير وطني عميق يستهدف معالجة الأسباب الحقيقية التي أعاقت تقدم موريتانيا لعقود طويلة .
فالتحدي الذي يواجه البلاد اليوم يتعلق بعقليات الأشخاص و الحكومات المتعاقبة و يرتبط بجملة من المسلكيات و الممارسات التي أضعفت مؤسسات الدولة و أعاقت التنمية و حالت دون الاستفادة العادلة من الثروات الوطنية .
و من هنا تنطلق الدعوة إلى ترسيخ دولة القانون و المؤسسات بحيث يكون الجميع متساوون أمام القانون و تحظى المرافق العمومية بالحماية و الاحترام باعتبارها ملكا للشعب و خادمة لمصالحه . فلا تنمية حقيقية في ظل الفوضى و لا استقرار دائما في ظل الظلم أو التمييز و غياب تكافؤ الفرص .
كما تقوم هذه الرؤية على ضرورة إعادة بناء الاقتصاد الوطني على أسس أكثر إنتاجية و عدالة . فالبلاد اليوم رغم ما تمتلكه من ثروات معدنية و بحرية و زراعية كبيرة ما تزال تعتمد بدرجة كبيرة على استخراج المواد الخام و تصديرها دون تحقيق القيمة المضافة التي توفرها الصناعات التحويلية . و لذلك فإن الانتقال إلى اقتصاد منتج قادر على التصنيع و التحويل و التصدير يمثل خطوة أساسية نحو خلق فرص العمل و رفع مستوى دخل الفرد و تعزيز القدرة الشرائية للمواطنين .
و تؤكد هذه الرسالة كذلك أن موارد الدولة و إمكانياتها يجب أن تكون في خدمة المواطنين جميعا و أن تقاس السياسات العمومية بمدى انعكاسها على حياة الناس و تحسين ظروفهم المعيشية لا بحجم الشعارات أو الأرقام المجردة المعروضة . فالدولة القوية ليست تلك التي تملك الثروات فقط بل تلك التي تنجح في تحويل تلك الثروات إلى تعليم جيد و صحة أفضل و فرص عمل كريمة و عدالة اجتماعية يشعر بها الجميع .
و يحتل إصلاح التعليم و التكوين مكانة مركزية في هذا المشروع . فالتعليم ليس مجرد حفظ للنصوص أو تكرار للمعلومات و إنما هو وسيلة لبناء الإنسان القادر على التفكير و الإبداع و الإنتاج . لذلك فإن المطلوب هو تعليم عصري يرتبط باحتياجات التنمية و سوق العمل و يمنح الشباب المهارات التي تمكنهم من المساهمة في بناء اقتصاد حديث و قادر على المنافسة .
و لعل تجربة إندونيسيا تقدم درسا بالغ الأهمية في هذا المجال . فقد كانت دولة تعاني من تحديات كبيرة مرتبطة بالتنوع الاجتماعي و التفاوت التنموي و الفقر و ضعف البنية الاقتصادية . غير أن قادتها أدركوا أن طريق النهضة لا يمر عبر الصراعات و الانقسامات و إنما عبر بناء المؤسسات و تعزيز الوحدة الوطنية و الاستثمار في الإنسان .
فتم توجيه الجهود نحو إصلاح التعليم و تطوير البنية التحتية و تشجيع الصناعات الوطنية و تحويل الموارد الطبيعية إلى منتجات ذات قيمة مضافة . و مع مرور الوقت تحولت إندونيسيا إلى واحدة من أكبر الاقتصادات الصاعدة في العالم و أصبحت مثالا لقدرة الشعوب على تجاوز العقبات عندما تتوفر الإرادة السياسية و الرؤية التنموية الواضحة التي نفتقر إليها .
إن الدرس الذي يمكن أن تستفيده الحكومة من هذه التجربة هو أن الثروة وحدها لا تصنع التقدم و التنمية ليست نتاج الصدفة بل ثمرة عمل منظم يقوم على العدالة و الكفاءة و الاستثمار في الإنسان . فبلدنا يمتلك من الموارد و الإمكانات ما يؤهله لتحقيق نهضة حقيقية لكنه يحتاج إلى إدارة رشيدة الى نظام وطني مخلص و مؤسسات قوية و لا تساوم على المصلحة و لا تطلب بقشيش و تعليم منتج لحاجات الوطن و اقتصاد يخلق القيمة المضافة بدلا من الاكتفاء بتصدير الخامات .
فالتغيير المنشود ليس مجرد انتقال مسرحي سياسي أو تداول على السلطة طبقا لنظام المافيا بل هو مشروع لبناء دولة حديثة تجعل من المواطن محور التنمية و غايتها و تضع القانون فوق الجميع و توظف الثروة الوطنية لخدمة الشعب و تمنح الأجيال القادمة فرصة العيش في وطن أكثر عدلا و كرامة و ازدهارا .
ذلك هو التحدي الحقيقي الذي نسعى إليه و تلك هي الرسالة التي تجعل من التغيير ضرورة وطنية من أجل موريتانيا أقوى و أكثر عدالة و أكثر قدرة على تحقيق تطلعات جميع أبنائها .
مكي السالك عبد الله عضو و ناشط في منظمة إيرا و عضو في حزب الرك انواذيبوا بتاريخ 10/06/2026
