الإعلامي ولد أبو المعالي يكتب : نحن ومالي.. من يحق له أن يتهم الآخر.

جمعة, 22/05/2026 - 13:35

من نافلة القول إن الجوار الموريتاني المالي قدر محتوم لم تكن لنا ولا للماليين الخِيرة فيه، فلا نحن صغنا التاريخ المشترك وأنشأناه، ولاهم رسموا الجغرافيا التي لا تبرح ولا تُبارح، وقد حافظت الأجيال عبر تاريخ البلدين على حسن الجوار وتعزيز ورعاية المصالح المشتركة، غير أنه منذ بعض الوقت بدأت أصوات نشاز في مالي ترتفع تحريضا وتأليبا على موريتانيا وعلى الموريتانيين، عبر مجموعات شبابية ومنظمات مقربة من السلطة في باماكو، وعبر بعض المواقع والصحف المالية، تلوح أحيانا باستهداف الموريتانيين المقيمين في مالي بزعم تهم واهية عن تورط بلادهم في الأحداث الدامية التي تشهدها مالي، وهي حملة كاذبة في مبررها، خاطئة في توقيتها، وغريبة في مضمونها، فلا المحتجون تحدثوا بغوغائيتهم الفجة عن حقائق جلية تدين موريتانيا، ولا كَتبَة المواقع والصحف في مالي جاءوا بدليل وبرهان أو وقائع وأحداث، تدعم زعمهم وتنفي حيف وزور مكتوبهم.

وإن تعجب فعجب خوض بعض وسائل الاعلام والمتحدثين في مالي في افتراءات تتهم موريتانيا بإيواء مقاتلين "جهاديين" مناوئين لباماكو أو تسهيل دخولهم للأراضي الموريتانية والعمل منها ضد مالي، كما زعم موقع BAMADA.NET الذي نشر مقالا عنونه بجملة استفزازية "الارهاب في مالي: إلى أين يصل تدخل نواكشوط؟

)TERRORISME AU MALI : JUSQU’OU L’INGERENCE DE NOUAKCOTT ?(

وقد تضمن المقال افتراءات سخيفة بحق موريتانيا، مستشهدا بإفراج نواكشوط عن بعض مواطنيها الذين كانوا رهن الاعتقال وشاركوا في الحوار مع العلماء وأعلنوا تخليهم عن الفكر القتالي والنزعة التكفيرية، وآخرين استفادوا من الإفراج عنهم بموجب قانون محاربة الإرهاب الذي يمنح العفو للمواطنين الذين يسلمون أنفسهم ويتخلون عن الفكر المتطرف، ولم يتورطوا في وقائع مجرمة قانونيا على الأراضي الموريتانية، غير أن كاتب المقال لم يستطع أن يذكر اسما وحدا ممن أفرج عنهم عاد إلى الأراضي المالية أو مارس أي نشاط ضد الحكومة في باماكو، والغريب العجيب أن يثير بعض الإخوة الماليين مثل هذه التهم الواهية ويتناسون أن أكبر ضرر لحق بموريتانيا خلال العقدين الماضيين، جاء من مالي، منذ هجوم لمغيطي في يونيو عام 2005 وحى يوم الناس هذا، حيث كانت موريتانيا عرضة للعنف الدموي القادم من وراء الحدود المالية، دون أن تحمل الأشقاء في مالي مسؤولية ذلك أو تتهمهم بالتآمر أو التساهل رغم البيِنات والشواهد أحيانا، والشبهات والقرائن أحيانا أخرى، ورغم بشاعة الهجمات وعمليات القتل والتفجير والخطف التي جاء منفذوها من مالي وعاد من نجا منهم أدراجه إليها، بل إن بعضهم خرج من السجون المالية لينفذ هجمات على الأراضي الموريتانية أو يقاتل ضد الجيش الموريتاني.

وحتى لا يكون هذا الحديث مجرد قول على قول وإلقاء للكلام على عواهنه دون بينة أو برهان، فلا مناص من سرد وقائع مشهودة معلومة لا سبيل إلى دحضها أو التشكيك فيها، فعلى سبيل المثال لا الحصر أفرجت مالي عن "إدريس ولد يرب" ولم تسلمه لبلاده رغم أنه مواطن موريتاني مطلوب للعدالة، بل أطلقت سراحه سنة 2009 لينفذ هجوما انتحاريا ضد مقر قيادة المنطقة العسكرية في مدينة النعمة فجر يوم الخامس والعشرين من أغسطس عام 2010، بواسطة سيارة مفخخة، كما اعتقلت المواطن الموريتاني "حماده ولد محمد الخير" بداية عام 2007، وهو الهارب من السجن في نواكشوط واعتقلت معه "الطيب ولد سيدي عالي"، وهما مطلوبان للقضاء الموريتاني، لكنها أفرجت عنهما سنة 2009 دون أن تسلمهما للسلطات الموريتانية، ليشارك "ولد محمد الخير" بعد ذلك في مواجهات مع الجيش الموريتاني في بلدة "حاسي سيدي" سنة 2010، وينفذ الآخر عمليات لصالح تنظيم القاعدة على الأراضي الموريتانية، كما اعتقلت السلطات في باماكو الموريتاني "بيب ولد نافع" المطلوب للقضاء الموريتاني بوصفه قياديا في إمارة الصحراء التابعة لتنظيم القاعدة تورط في عمليات على الأراضي الموريتانية، لكن مالي أفرجت عنه في شهر فبراير عام 2010 دون أن تسلمه لبلاده، فهل اتهمت موريتانيا مالي بالتآمر على أمنها وتعمد إخلاء سبيل المطلوبين لديها، وهل حرضت من يحتج أمام سفارة مالي أو يهدد أمن مواطنيها ومصالحهم.

وبالمقابل أليس من حقنا أن نتساءل عن مصير من سلمتهم موريتانيا من المعتقلين لمالي، وهنا نستطرد مثالا يتعلق بالمواطن المالي عمر ولد سيدي احمد حمه، الملقب "عمر الصحراوي" الذي اختطف ثلاثة من الرعايا الاسبان من موريتانيا يوم 29 نوفمبر 2009، على الطريق الرابط بين نواكشوط ونواذيبو، ودخل بهم الأراضي المالية، قبل أن تعتقله موريتانيا ويحكم عليه القضاء في نواكشوط بالسجن 12 عاما، ثم سلمته موريتانيا لسلطات بلاده في أغسطس عام 2010، لكنه لم يقض في سجونها أربعا وعشرين ساعة، بل سارعت إلى إطلاق سراحه ضمن صفقة للإفراج عن الرهائن الإسبان، فهل اتهمنا الماليين بالتواطؤ والكيد لبلادنا، وهل حرضنا واستثرنا العواطف ولوحنا باستهداف الأبرياء والسفارة.

ألم يأت قتلة الجنود الموريتانيين في لمغيطي (يونيو 2005) وفي الغلاوية (دجمبر 2007) وفي تورين (سبتمر 2008) من الأراضي المالية ويعودوا إليها، ألم يأت خاطفو المواطن الإيطالي "سيريجيو سيكالا" وزوجته قرب مدينة كوبني (دجمبر 2009) من مالي، ألم يأت من قتلوا الأمريكي "كريستوف لكيت" في نواكشوط في يونيو 2009 من مالي، أوليس الأفظع من ذلك أن يَقتل الجنود الماليون عشرات الموريتانيين داخل الأراضي المالية بدم بارد، فهل صعّدت موريتانيا من لهجتها ضد مالي، وهل تنكرت للجوار وأواصر التاريخ والجغرافيا التي لا قبل لنا ولا للماليين بالفكاك منها.

ألا يدرك الإخوة في مالي ومن يتظاهرون اليوم على مرأى ومسمع من حكام باماكو، إن لم يكن بأمرهم وتحريض منهم، ضد موريتانيا ويلوحون بالاعتداء على الموريتانيين ومصالحهم التجارية، أن من يحاصرون باماكو ويحرقون الشاحنات وباصات النقل على مشارفها، هم مواطنون ماليون ولدوا في مالي وعاشوا فيها وحملوا السلاح ضدها لشأن داخلي مالي، دون أن تكون لهم علاقة بموريتانيا أو بأية جهة داخل موريتانيا مهما كانت، أم أن جريمة موريتانيا التي لا تغتفر لديهم هي أنها نجحت في ما فشل فيه غيرها، واستطاعت أن تنجو من دوامة الفوضى وشلال الدم المسفوك الذي يتدفق في مالي وبعض دول الساحل، وأمنت حدودها ومواطنيها والمقيمين على أرضها، وانشغلت بأمور تنميتها وقضاياها الداخلية، وأعرضت صفحا عن بعض المحاور والتحالفات الإقليمية والدولية المستجدة في المنطقة.

لكن الحقيقة التي لا مراء فيها أن باماكو إن أرادت اليوم الصدع بالحق الناصع الأبلج، فإن الخطاب التصعيدي الوحيد الذي يمكن أن تتحدث عنه وتتهم به موريتانيا، هو خطاب رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني في باسكنو وعدل بكرو على الحدود مع مالي، الذي أكد فيه أن العلاقات الموريتانية المالية قدر جغرافي وتاريخي لا مناص منه، وذكر خلاله بماضي العلاقات بين البلدين والشعبين، وبترحيب الماليين دائما بجيرانهم من الموريتانيين وتعاملهم معهم بالتي هي أحسن، داعيا المواطنين الموريتانيين إلى رد الجميل لهم وتفهم الاوضاع الحالية في مالي التي تعيش حربا داخلية، والنظر اليها بعين المنصف والصديق والجار القريب، وأن نفتح صدورنا وقلوبنا قبل بيوتنا وأرضنا للقادمين إلينا من مالي، ليكونوا محل ترحيب وكرم ضيافة، فهل في هذا التصريح ما يثير السخط والغضب أو يستدعي البغضاء والشحناء وتلفيق الاتهامات الزائفة الكاذبة، وهل فيه ما يساعد على حصار باماكو وحرق الشاحنات قبل وصولها إلى وجهتها.

 

محمد محمود أبو المعالي