
بنشاب : في هذا الوطن، حيث تمتد الرمال كأنها ذاكرةٌ بلا نهاية، لا يكاد القلب يجد ما يتعلّق به سوى نغمةٍ شاردة، صوتٍ يتسلّل من عمق الصحراء ليذكّرنا أن الجمال لم يُنفَ تمامًا، بل اختبأ… لعلّه خجلٌ من واقعٍ لا يليق به. وحدها أنغام ديمي منت آبه تبدو كأنها احتجاجٌ ناعم على القبح، كأنها تقول لنا: كان يمكن لهذا البلد أن يكون شيئًا آخر.
لا شيء يعجبني في وطني… لا ساستنا الذين استبدلوا معنى الدولة بمسرحٍ من الوعود المؤجلة، ولا شبابنا الذين يقفون على عتبة الحياة بلا مشروع، كأن الزمن يمرّ بهم لا فيهم، ولا قضاياهم التي تُستنزف في ضجيجٍ بلا أثر. لقد تحوّلت السياسة عندنا من فنّ تدبير الممكن إلى حرفةٍ لإعادة إنتاج العجز، ومن أفقٍ للتغيير إلى دائرةٍ مغلقةٍ من المصالح الضيقة.
ليس هذا حكمًا عاطفيًا، بل واقعٌ يمكن تتبّعه في كل زاوية: في غياب التخطيط طويل المدى، في هشاشة المؤسسات، في الاقتصاد الذي لا ينتج بقدر ما يستهلك، وفي التعليم الذي لا يربّي عقلًا ناقدًا بل يُعيد تدوير الذاكرة. إننا أمام ما يمكن تسميته فلسفيًا بـ”أزمة المعنى”: حين تفقد الأفعال العامة غايتها، وتصبح مجرد طقوسٍ بلا روح.
ولا شيء يعجبني في شبابنا… لا لأنهم عاجزون بطبعهم، بل لأنهم ضحايا بنيةٍ اجتماعيةٍ وثقافيةٍ تُكافئ الركود وتُعاقب المبادرة. يُطلب منهم أن يحلموا، لكن دون أدوات، أن ينجحوا، لكن دون فرص، أن يبدعوا، لكن داخل قوالب جامدة. وهنا يكمن التناقض المأساوي: نُدين الشباب على ما لم نُتح لهم أن يكونوه.
أما مدننا، فهي مرآة هذا الخلل. عمرانٌ بلا روح، شوارع بلا ذاكرة، فضاءات لا تُعبّر عن الإنسان بل تُرهقه. الجمال ليس ترفًا كما يُظن، بل هو شرطٌ من شروط التوازن النفسي والاجتماعي. حين يعيش الإنسان في القبح، يتسرّب القبح إلى داخله، إلى ذوقه، إلى لغته، إلى علاقاته.
ولا شيء يعجبني في طريقة تفكيرنا… تلك الثنائية القاتلة بين فرديةٍ أنانيةٍ تُقصي الآخر، وجماعيةٍ سطحيةٍ تُذيب الفرد. نحن لا نُحسن أن نكون أفرادًا أحرارًا، ولا جماعةً واعية؛ بل نعيش في منطقةٍ رمادية، حيث المسؤولية ضائعة، والمبادرة مشبوهة، والاختلاف خطر.
إن الأزمة عندنا ليست فقط سياسية أو اقتصادية، بل هي قبل ذلك أزمة وعي. فكما يقول مالك بن نبي: “القابلية للاستعمار” ليست حدثًا خارجيًا، بل بنية داخلية. ونحن، وإن لم نكن مستعمَرين بالمعنى التقليدي، فإننا نعيش نوعًا آخر من الاستلاب: استلاب العادة، استلاب الخوف، استلاب اللامبالاة.
ولا شيء يعجبني في طموحاتنا… لأنها غالبًا ما تُقاس بما يملكه الآخر لا بما يمكن أن نكونه نحن. نريد النتائج دون المسار، القمم دون التسلق، التقدّم دون ألم التحوّل. وهنا يتحوّل الطموح إلى وهمٍ جميل، لا إلى مشروعٍ واقعي.
ثم ذلك الخمول… ذلك الكسل الذي لم يعد مجرد سلوكٍ فردي، بل أصبح ثقافة. نُؤجّل، نُسوّف، نُبرّر، حتى يصبح الزمن نفسه خصمًا لنا. وليس أخطر على أمةٍ من أن تفقد علاقتها بالزمن، أن تعيش خارجه، أو على هامشه.
أما التلوث… فليس فقط في الشوارع، بل في الأفكار، في الخطاب، في القيم. حين يُصبح الصدق استثناءً، والعمل الجاد غرابة، والنزاهة مغامرة، فنحن أمام تلوّثٍ أخلاقيٍ لا يقلّ خطورة عن التلوّث البيئي.
ومع ذلك… لا أقول هذا يأسًا، بل ألمًا. وألم المفكر ليس كألم العابرين؛ إنه ألمٌ يرى ما يمكن أن يكون، لا ما هو كائن فقط. إن هذا الوطن، رغم كل شيء، يحمل في طيّاته إمكانية النهوض. لكن الإمكان لا يتحقّق بالرغبة، بل بالفعل، ولا بالفعل الفردي فقط، بل بالفعل الجماعي الواعي.
لعلّنا نحتاج إلى ثورةٍ صامتة… لا في الشوارع، بل في العقول. أن نُعيد تعريف النجاح، أن نُعيد بناء التعليم، أن نُحرّر الدين من الجمود، والسياسة من الانتهازية، والثقافة من السطحية. أن نتعلّم كيف نختلف دون أن نتخاصم، وكيف نعمل دون أن ننتظر التصفيق.
حينها فقط… قد لا تبقى أنغام ديمي هي الشيء الوحيد الذي يعجبني في هذا الوطن.
