قذف المحَصَّنات وضرورة القفل الخامس يعقوب آلويمين، دكتور في القانون

اثنين, 09/02/2026 - 12:59

بنشاب : الآلية الدستورية لحماية التناوب على السلطة في موريتانيا من أكثر الآليات القانونية تماسكا وصلابة بفضل طابعها المزدوج. حيث لا يمكن النفاذ إليها من الداخل بسبب يمين رئيس الجمهورية التي تمنع عليه أن يقوم أو يدعم بشكل مباشر أو غير مباشر أية مبادرة من شأنها أن تؤدي إلى مراجعة الأحكام الدستورية المتعلقة بمأمورية الرئيس وشروط تجديدها الواردة في المادتين 26 و28 من الدستور، علما بأن الرئيس هو الذي يملك صلاحية استشارة الشعب وفقا للمادة 38؛ ولا من الخارج بسبب المنع الوارد في المادة 99 لإجراء أي مراجعة دستورية حول ولايـة رئيس الجمهوريـة المحددة بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، وذلك طبقا لما تنص عليه المادتان 26 و2 أيضا.

 

إلا أن المادتين 26 و28 المتعلقتين بعدد الولايات الرئاسية وعدم جواز تغيير المواد المحددة لها، المحصنتين بالمادتين 29 و99 بشأن اليمين الرئاسية وعدم جواز أي مراجعة دستورية تمس هذه المواد، تتعرضان لحملات من القذف والتبخيس على يد بعض السياسيين و"القانونيين"، بهدف التشكيك في حصانتها تمهيدا للمطالبة بتغييرها خلال الحوارات القادمة. 

 

يقول بعض هؤلاء الأفاكين إن الدستور ليس مقدسا ويجوز تعديله متى بدا ذلك في مصلحة الشعب الذي وضعه أصلا ويملك الحق له تغييره متى شاء. ويذهب متفيهقون إلى القول بأنه لا يجوز للأجيال الحالية تقييد حرية الأجيال القادية في تعديل دستورها، جاهلين جميعهم، أو متجاهلين، أن مبدأ التناوب على السلطة هو أحد الثوابت التي لا يقوم النظام الديمقراطي بدونها؛ ولذلك فالغرض من تحصين مواد الدستور المتعلقة بالتناوب، ليس مصادرة حرية الأجيال القادمة في ملاءمة منظومتها القانونية مع سياقاتها السياسية والاجتماعية، بل إن الغرض من الحصانة هو، على العكس من ذلك، حماية الأجيال القادمة من استبداد الأجيال الحالية من خلال الاستمرار في السلطة. ولو دامت لغيرك لما وصلت إليك !

 

ليست هذه أول مرة يثور فيها هذا الجدل حول مراجعة عدد المأموريات أو مدتها، فحديث اليوم مجرد تكرار لأحاديث وحملات 2018 خلال المأمورية الثانية للرئيس السابق، لذا فمنطق الأشياء يقول إن الرئيس الحالي لن يغتر به، ولكن عليه أن ينأى بنفسه عنه بصفة علنية لكيلا يشوش على تنفيذ تعهداته وطموحاته التي ليس من ضمنها الترشح لمأمورية ثالثة. ويقتضي الأمر، بحكم خطورة مثل هذه الدعوات، موقفا علنيا من فخامته على غرار موقفه العلني في مدينة تنبدغه في نوفمبر 2025 حول من موضوع خليفة الرئيس الذي أسكت جميع الأصوات التي صدعت الآذان بالتكهنات.

 

إن مجرد قبول رئيس الجمهورية بإدراج مراجعة عدد المأموريات أو مدتها ضمن بنود الحوار السياسي، الذي أعلن سابقا القبول بمخرجاته، يعتبر قبولا ضمنيا من جانبه بإعادة النظر في تلك المواد. ويمثل هذا القبول قد إخلالا من الرئيس بيمينه الواردة في المادة 28 من الدستور، والتي تتضمن القسم على ألا يقوم أو يدعم بشكل مباشر أو غير مباشر أية مبادرة من شأنها أن تؤدي إلى مراجعة الأحكام الدستورية المتعلقة بمأمورية رئيس الجمهورية وشروط تجديدها الواردة في المادتين 26 و28 من هذا الدستور". ومع أن الدستور لم يرتب أثرا صريحا على الاخلال بهذه اليمين، فإن الحنث فيها قد يشكل فعلا من أفعال الخيانة، ويفتح باب المساءلة الجناية ضده. 

 

واضح أن كل الدعوات الحالية والسابقة إلى مراجعة عدد المأموريات تهدف إلى فتح الفرصة لاستمرار شخص محدد في السلطة، وهي ظاهرة مرضية يمكن أن نسميها "الأنانية السياسية"، وتنم عن محدودية في الوعي الديمقراطي لدى الداعين لها، حيث إنهم لا يدركون - على ما يبدو - أن جميع الثورات، والدساتير التي انبثقت عنها، كان الغرض منها حماية الأجيال اللاحقة من استبداد الأجيال السائدة وقتها.

 

لقد وصد تماسك الأقفال الأربعة (المواد 26-28-29-99)، التي اخترعها أستاذ القانون الدستوري المرحوم أحمد سالم ولد ببوط، أي بوابة قانونية يمكن النفاذ منها لخرق التحصين الذي تحظى به المواد المتعلقة بعدد المأموريات، حيث إن رئيس الجمهورية في نظامنا الدستوري هو الحامي للدستور بمقتضى المادة 24 من هذا الأخير، وما يترتب عن هذه الحماية، ليس فقط واجب الامتناع عن تغيير ما نص الدستور على عدم جواز تغييره، بل كذلك واجب حماية المواد المحصنة من الاعتداء عليها من قبل الغير.

 

لذلك فالدعوة إلى تعديل المواد المحصنة يمكن إدراجها في نظرنا تحت جريمة الخيانة المنصوص عليها في المادة 18 من الدستور، بوصفها دعوة إلى الاعتداء على الشرعية الدستورية وعلى أهم الأسس التي تقوم عليها الممارسة الديمقراطية - مبدأ التناوب الديمقراطي على السلطة. كما تصنفها المادة 23 من الميثاق الإفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم، الذي صادقت عليه موريتانيا سنة 2008 ودخل حيز النفاذ سنة 2012، بأنها بمثابة تغيير غير دستوري لا يتميز عن انقلاب عسكري ضد حكومة منتخبة ديمقراطيا، ويعرض الدولة المعنية لمنظومة العقوبات الواردة في المادة 25 من نفس الميثاق. ومن آثار هذا الاعتداء أنه يهز الثقة في الثوابت السياسية، ويفقد النظام السياسي المصداقية التي بفضلها أصبحت موريتانيا وجهة للاستثمار ورمزا للاستقرار رغم غليان محيطها الجغرافي.

 

تقتضي، إذن، الضرورات الاقتصادية والسياسية لجم كل دعوة للاعتداء على مواد الدستور المحصنة، فمثل هذه الدعوات، خاصة إن وردت من السياسيين الذين يفترض أن يكون حرصهم الأساسي على المزيد من الحماية للنظام الديمقراطي، تعرض البلاد للتشكيك في صلابة نظامها واستقرارها. وإن استمرت هذه الدعوات وتفاقمت، فلا نستغرب أن يغرد ترمب منددا ومتوعدا، وأن يتحفظ المستثمرون حتى تتضح لهم المآلات السياسية للبلد، فموريتانيا اليوم محل نظر العالم المهتم بمنطقة الساحل عموما وبالاستثمار في الموارد الطبيعية خصوصا.

 

وإذا لم تتوقف موجة القذف التي تتعرض لها المواد المحصنة، فإن هذه الأخيرة معرضة للاغتصاب، إن لم يكن اليوم على يد النظام القائم فغدا على يد نظام جديد يطمع في المكاسب اللحظية والشخصية على حساب المكاسب الديمقراطية ومستقبل الأجيال، وهو ما سيعيد البلاد إلى مربع الرئاسة الدائمة بما تحمله معها من دكتاتورية وفساد وتعفن في النخبة الحاكمة. ولن يتم لجم هذه الدعوات إلا بتصنيفها أفعالا غير مشروعة تترتب عليها عقوبات جنائية رادعة.

 

وعليه فإذا كان هنالك حوار يفضي إلى مراجعة بعض أحكام الدستور - من غير المواد المحصنة - فنوصي بأن يضاف قفل خامس إلى أقفال الأستاذ ببوط رحمه الله، الذي يبدو أنه كان يخاف على مواد المأموريات من الرئيس، ولم يدر في خاطره رحمه الله، أن زبانية النظام أخطر على الدستور من الرئيس نفسه. ويتمثل القفل المقترح في استحداث مادة دستورية جديدة تنص صراحة على تجريم المطالبة بتعديل المواد المحصنة من الدستور، وتنص على وضع قانون يحدد العقوبات الجنائية الرادعة ضد كل من يدعو، بأي طريقة كانت، ومن أي منبر كان، إلى تغيير تلك المواد والمساس بمبدأ التناوب على السلطة الذي يمثل أهم ضمانة للديمقراطية والحكم الرشيد.