هكذا يُقرأ محمد ولد عبد العزيز في ذاكر الوطن…

خميس, 05/02/2026 - 12:45

بنشاب : ليست المقاماتُ صدى الأصوات، ولا زخرفَ العبارات، ولا كثرةَ الشهادات، وإنما هي ثمرةُ عملٍ متراكم، وحصيلةُ صبرٍ طويل، وأثرُ إرادةٍ واعية تُسطَّر في صفحات التاريخ بمداد الأفعال لا بحبر الادّعاء. فإذا اختلطت المعايير، واضطربت المقاييس، وتكاثرت الصور الزائفة، برزت القامات الأصيلة كما يبرز المعدن النفيس من بين الأنقاض، صافِي الجوهر، ثابت القسمات، لا تغيّره تقلّبات الزمن، ولا تُبدِّده تقاطعات المصالح.
وفي هذا الإطار، ينهض اسمُ الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز بوصفه علامةً جامعة، وتجربةً مكتنزةً بالدلالات، ومسارًا محفوفًا بالمسؤوليات الجسام.

نشأ محمد ولد عبد العزيز في ميادين التجربة الصعبة، وتدرّج في مدارج القرار حيث لا يُؤتمن إلا من امتحنتْه الأيام، ولا يُقدَّم إلا من صقلتْه الوقائع، ولا يُسلَّم زمام الأمر إلا لمن جمع بين الحزم والتبصّر.
كان رجلًا يقرأ الوقائع قراءةَ المتأمّل المتروّي، لا قراءةَ المتعجّل المندفع، فيفكّك المشاهد، ويستنبط الإشارات، ويستخلص المعاني من بين تضاعيف الأحداث. فلا تُغريه بهرجة المديح، ولا تستدرجه ضوضاء الخصومة، ولا تُربكه تقلّبات المزاج العام.
في منطقه اختصارُ حكمة، وفي صمته عمقُ دلالة، وفي حضوره هيبةُ تجربةٍ ممتدّة. لا يبدّد القول، ولا يفرّط في الوعد، بل يجعل للكلمة حسابًا، وللتعهّد وزنًا، وللأثر معيارًا.
عرف دهاليز السلطة معرفةَ من أدرك أثقالها قبل أن يذوق امتيازاتها، فتعامل معها بوصفها تكليفًا لا ترفًا، ومسؤوليةً لا مغنمًا، ومجالًا للبذل لا للاستئثار. فكان إذا تولّى، تحمّل، وإذا قاد، صان، وإذا واجه، ثبت.
وحين تتابعت الخصومات، وتناسلت حملات التشويه، وتكاثرت محاولات النيل، لم ينزلق إلى مهاترات الخطاب، ولم يلوذ بخطاب الشكوى، بل واجه الوقائع بعقلٍ حاضر، ونفسٍ متزنة، وإرادةٍ لا تنثني.
صبره لم يكن خضوعًا، وسكوته لم يكن عجزًا، وثباته لم يكن جمودًا؛ بل كان إحكامًا للنفس عند اشتداد الضغط، وضبطًا للمسار عند تشعّب الطرق، وحفظًا للتوازن عند ازدحام الحسابات.
تجلّت في سيرته صورةُ القائد المركّب: صلابةُ العسكري، وبصيرةُ السياسي، وحكمةُ رجل الدولة، فانتظمت فيه خصالٌ قلّ أن تجتمع في شخصٍ واحد، وتكاملت فيه أدوات القرار مع أخلاقيات المسؤولية.
كان إذا وعد أوفى، وإذا عاهد صدق، وإذا تقدّم حمل العبء كاملًا غير منقوص، لا يتخفّف منه عند المشقّة، ولا يتبرّأ منه عند العثرة، بل يواجهه بضميرٍ يقظ، ووجدانٍ مسؤول، ونَفَسٍ طويل.

هكذا يُقرأ محمد ولد عبد العزيز في ذاكرة الوطن: رجلُ مرحلةٍ حسّاسة، وقامةٌ تشكّلت بين شدائد الواقع وتعقيدات القرار، وشخصيةٌ صاغتها التجارب المتراكمة لا المصادفات العارضة.
سيظلّ أثره شاهدًا على معنى الثبات حين تتكاثر الأعباء، وعلى قيمة المسؤولية حين تتزاحم المطالب، وعلى جوهر الرجولة حين تُختبر المواقف.
وتبقى سيرته رسالةً لمن يأتي بعده:
أنّ القيادة ليست لقبًا يُعلّق، ولا صورةً تُزيَّن، بل التزامٌ يوميّ، ووعيٌ عميق، واستعدادٌ دائم لتحمّل الأمانة بصبرٍ ونزاهة وتجرد.

من ص/الناشط السياسي/ Brahim abdellahi