هل نُتوِّج “الوزّان” أم نحتفي بالشاعر؟

أربعاء, 25/02/2026 - 13:01

بنشاب : في كل أمةٍ لحظةُ وعيٍ ثقافي تُراجع فيها مصطلحاتها قبل أن تُراجع منجزها. لأن الأسماء ليست حيادية، بل هي حواملُ دلالةٍ ومؤشراتُ اتجاه. ومن هنا يبرز السؤال: ماذا يعني أن نُقيم مسابقةً يتوَّج الفائز فيها بلقب “الوزّان”؟

في لغن الحساني، ظلّ الوزن أساسًا تقنيًا لا يُجادل فيه أحد؛ فهو العمود الذي يقوم عليه البناء الشعري. غير أن التراث نفسه يفرّق بين من يُتقن الوزن بوصفه مهارةً أولى، وبين من يبلغ مرتبة الشاعر المبدع الذي تتكامل لديه الصورة واللغة والخيال والموقف. فهل من المنطقي أن نمنح لقبًا نهائيًا يحيل إلى مرحلة جزئية من العملية الإبداعية؟

لقد عرف المشهد الأدبي في السنوات الماضية تجارب تنافسية احتفت بالشاعر من حيث هو مشروع فني متكامل، لا مجرد صاحب مهارة عروضية. تجارب عربية واسعة التأثير مثل شاعر المليون أعادت الاعتبار لصورة الشاعر بوصفه حامل رؤية، لا مجرد موزون الكلام. كما عرفت الساحة المحلية مسابقات بأسماء دالّة مثل “أفلال لغن” و“بداع الجيل”، حيث كان اللقب يكرّس الإبداع لا الأداة.

المشكلة إذن ليست في “الوزن” ذاته؛ فالوزن شرطٌ لازم. لكن تحويله إلى عنوان نهائي للتتويج يختزل التجربة الشعرية في عنصر واحد. والشعر، كما نعلم، ليس وزنًا فحسب؛ إنه معنى وصورة وانفعال وسياق اجتماعي وثقافي. إن الاقتصار على القوالب والتركيز المفرط على “لبتوته” دون سواها قد يعكس تصورًا ضيقًا للأدب، يُغفل جوهره القائم على الابتكار والقدرة على التأثير.

الألقاب تصنع الوعي. حين نرفع من سقف التسمية، نرفع من سقف الطموح. وحين نُنزِلها إلى مستوى المهارة الجزئية، فإننا – دون قصد – نُعيد تعريف الحقل الأدبي في أذهان الناشئة. والجيل الجديد يتلقّى الرسائل الرمزية أسرع مما نتخيّل.

لسنا بحاجة إلى صراع بين التراث والتجديد، ولا إلى التقليل من شأن أي جهد ثقافي. لكننا بحاجة إلى دقة في المصطلح، واتساع في الرؤية. فتكريم الشاعر ينبغي أن يعكس اكتمال التجربة لا بدايتها، وأن يعبّر عن الإبداع لا عن أداة من أدواته.

يبقى السؤال مفتوحًا أمام القائمين على مثل هذه المبادرات: هل نريد مسابقاتٍ تُعيد تشكيل الذائقة وترتقي بها، أم نكتفي بعناوين قد لا تعبّر بدقة عن مقام الشعر وأهله؟

إن صيانة الحقل الأدبي تبدأ من احترام مفاهيمه. وحين نحسن اختيار الاسم، نكون قد وضعنا أول حجرٍ صحيح في بناء ثقافةٍ جديرةٍ بلُغن الحساني وتاريخه.