
بنشاب : حين تصبح دولة بأكملها رهينة لشركة توريد واحدة، فإن السؤال لا يعود اقتصادياً فقط، بل يصبح سؤالاً عن السيادة والنفوذ والقرار الوطني».
في موريتانيا، لا يتعلق ملف المحروقات بمجرد استيراد الوقود لتشغيل السيارات ومحطات الكهرباء، بل يرتبط مباشرة بأعصاب الاقتصاد الوطني كله؛ من التعدين والطاقة والنقل والصيد البحري، إلى أسعار المواد الأساسية وكلفة المعيشة اليومية.
وخلال أقل من عقد، صعد اسم شركة «ADDAX Energy» السويسرية من مجرد مورد دولي للمحروقات إلى أحد أكثر الفاعلين تأثيراً داخل قطاع استراتيجي بالغ الحساسية، وسط جدل سياسي وبرلماني وإعلامي متواصل حول طبيعة العقود التي حصلت عليها، ومدى النفوذ الذي راكمته داخل السوق الموريتانية.
فالشركة التي بدأت حضورها في موريتانيا عبر مناقصات دولية، أصبحت مع مرور الوقت المورد الأبرز للمحروقات، والممون الرئيسي لمؤسسات عمومية وشركات تعدين وكهرباء، قبل أن تمتد أنشطتها إلى مجالات التخزين والنقل البحري وتموين السفن بالوقود.
لكن هذا الصعود السريع ترافق مع اتهامات سياسية متزايدة بوجود حالة احتكار غير معلنة، وبأن الدولة أصبحت تعتمد بصورة مفرطة على مورد واحد، في ظل هشاشة البنية الوطنية للتخزين وغياب احتياطي استراتيجي فعّال.
وخلال جلسات برلمانية متلفزة، وجّه نواب معارضون اتهامات حادة للشركة، معتبرين أنها تستنزف الاقتصاد الوطني وترفع فاتورة الوقود على الموريتانيين، بينما تحدث بعضهم عن وجود شبكات مصالح وعلاقات مع رجال أعمال نافذين ساهمت – بحسب رأيهم – في استمرار هيمنتها على السوق.
في المقابل، تؤكد الجهات الرسمية أن العقود تُمنح عبر مناقصات شفافة، وأن الدولة تبحث عن الشركات القادرة على تأمين الإمدادات بانتظام في سوق هش ومعقد.
هذا التحقيق الاستقصائي الموسع يحاول تفكيك خيوط هذا الملف المعقد، عبر تتبع:
تاريخ دخول ADDAX إلى موريتانيا
العقود التي حصلت عليها خلال عهدي الرئيسين محمد ولد عبد العزيز ومحمد ولد الشيخ الغزواني
طبيعة النفوذ الذي راكمته داخل السوق
أزمة المخازن النفطية وتأخر مشاريع التخزين
الاتهامات البرلمانية والجدل السياسي
التمويلات الدولية التي حصلت عليها الشركة
الأسئلة المطروحة حول الاحتكار والسيادة الطاقوية
ويعتمد التحقيق على تقارير ووثائق صادرة عن مؤسسات دولية، وتصريحات رسمية، ومداخلات نواب موريتانيين، وتقارير إعلامية متخصصة محلية ودولية، من أجل تقديم صورة متكاملة عن واحد من أكثر الملفات الاقتصادية حساسية في موريتانيا الحديثة.
على امتداد ما يقارب عقداً كاملاً، تحولت شركة «ADDAX Energy» السويسرية إلى الفاعل الأكثر حضوراً في سوق المحروقات الموريتاني، وسط جدل سياسي واقتصادي متصاعد حول طبيعة العقود التي حصلت عليها، وحجم نفوذها داخل قطاع حيوي يمس حياة الموريتانيين اليومية، وأسعار النقل والكهرباء والإنتاج الصناعي.
وبينما تقول السلطات الرسمية إن التعاقد مع الشركة يتم عبر مناقصات دولية وفق معايير فنية ومالية، يرى معارضون وبرلمانيون وخبراء أن الشركة تمكنت من بناء نفوذ واسع داخل السوق الموريتانية، مستفيدة – بحسب منتقديها – من علاقات مع رجال أعمال نافذين، ومن ضعف البنية الوطنية للتخزين والتوريد، بما جعل البلاد رهينة لمورد واحد تقريباً.
هذا التحقيق يستعرض مسار حضور «آداكس» في موريتانيا، والعقود التي حصلت عليها خلال عهدي الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز والرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني، كما يتناول الاتهامات السياسية والبرلمانية الموجهة للشركة، وأزمة المخازن النفطية، وأبعاد الهيمنة على سوق المحروقات، اعتماداً على وثائق وتقارير دولية وتصريحات رسمية ومداخلات برلمانية وتقارير إعلامية متعددة.
من هي شركة ADDAX Energy؟
شركة «ADDAX Energy SA» هي الذراع التجارية لمجموعة «Oryx Energies» السويسرية، المتخصصة في تجارة وتوزيع النفط والغاز في إفريقيا. وتعمل الشركة في عدة دول إفريقية في مجالات استيراد المحروقات، النقل، التخزين، والتزويد البحري بالوقود.
وتشير بيانات مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي (IFC) إلى أن الشركة أصبحت لاعباً رئيسياً في واردات المحروقات الموريتانية منذ سنوات، حيث موّلت المؤسسة عمليات استيراد الشركة للمحروقات إلى موريتانيا ضمن تسهيلات مالية وصلت إلى مئات ملايين الدولارات.
وفي يوليو 2020 أعلنت مؤسسة التمويل الدولية تقديم 35 مليون دولار ضمن تسهيل ائتماني بقيمة 200 مليون دولار لصالح ADDAX Energy من أجل ضمان استمرار واردات المحروقات إلى موريتانيا خلال فترة جائحة كورونا.
كما عادت المؤسسة في 2023 إلى دعم عمليات الشركة في موريتانيا ضمن تمويلات جديدة مرتبطة بشراء ونقل وتخزين وبيع المنتجات النفطية.
هذا الحضور المالي الدولي منح الشركة قدرة كبيرة على التحكم في سلاسل التوريد، خصوصاً في بلد يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد المحروقات.
*كيف دخلت آداكس إلى السوق الموريتانية؟
دخلت الشركة السوق الموريتانية بقوة ابتداءً من عام 2016، بعد فوزها بعقود تزويد البلاد بالمحروقات عبر مناقصات دولية.
ومنذ ذلك التاريخ، بدأت الشركة تتوسع تدريجياً حتى أصبحت المورد الأبرز للبلاد، متفوقة على شركات عالمية أخرى مثل:
Trafigura
BP Energy
Sahara Energy
وبحسب تقارير إعلامية موريتانية ودولية، فقد أصبحت الشركة خلال سنوات قليلة الممون الرئيسي لعدة جهات كبرى، بينها:
الشركة الوطنية للصناعة والمناجم (اسنيم)
شركة الكهرباء SOMELEC
شركات التعدين الكبرى
شركات تسويق الوقود المحلية
وتشير تقارير إلى أن حجم استهلاك هذه الجهات جعل عقد المحروقات واحداً من أكبر العقود التجارية في البلاد.
*عقود آداكس في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز
خلال السنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، رسخت الشركة وجودها داخل السوق الموريتانية.
وتقول مصادر اقتصادية إن السلطات آنذاك كانت تبحث عن مورد قادر على ضمان الاستقرار في الإمدادات، خصوصاً مع تزايد الطلب المحلي وضعف البنية الوطنية للتخزين.
لكن منتقدين اعتبروا أن اعتماد الدولة المتزايد على شركة واحدة خلق وضعية احتكار غير معلنة، وأضعف المنافسة داخل السوق.
كما بدأت منذ تلك الفترة تظهر انتقادات تتعلق بـ:
ارتفاع كلفة التوريد
ضعف الشفافية في بعض العقود
غياب بدائل وطنية
الاعتماد شبه الكامل على مورد خارجي واحد
ورغم ذلك، استمرت الشركة في الفوز بالمناقصات.
آداكس في عهد الرئيس محمد ولد الغزواني
مع وصول الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى السلطة عام 2019، لم يتراجع نفوذ الشركة، بل دخلت العلاقة بين الطرفين مرحلة أكثر تعقيداً.
ففي عام 2020 تحدثت تقارير إعلامية عن مفاوضات صعبة بين الحكومة والشركة بعد ارتفاع الأسعار العالمية للمحروقات.
ووفق تقارير إعلامية موريتانية، فإن عرض الشركة الجديد كان سيؤدي إلى زيادة سنوية بملايين الدولارات على فاتورة الوقود.
وفي عام 2021 ظهرت أزمة جديدة مرتبطة بعقد التوريد، حيث تحدثت وسائل إعلام دولية عن خلافات بين الشركة والسلطات الموريتانية، وعن اتجاه الدولة للبحث عن مورد بديل.
لكن رغم هذه الخلافات، عادت الشركة لاحقاً للفوز بعقود جديدة.
وفي أكتوبر 2023 أعلنت وسائل إعلام متخصصة فوز ADDAX بعقد جديد لمدة سنتين لتزويد موريتانيا بالمحروقات.
هذا التجديد أعاد النقاش السياسي والإعلامي حول أسباب استمرار الاعتماد على الشركة نفسها رغم الجدل الكبير المحيط بها.
إسهامات بالاحتكار واستنزاف الاقتصاد الوطني
أكثر الانتقادات حدة ضد الشركة جاءت من نواب معارضين وشخصيات سياسية اعتبرت أن ADDAX تحولت إلى «مركز نفوذ اقتصادي» داخل موريتانيا.
وخلال جلسات برلمانية متلفزة، اتهم نواب الشركة بالاستفادة من علاقات مع رجال أعمال نافذين، وبالحصول على امتيازات تجعل المنافسة شبه مستحيلة.
النائب محمد الأمين سيدي مولود تحدث في مداخلة برلمانية عن ما وصفه بـ«نهب سوق المحروقات»، معتبراً أن استمرار العقود مع الشركة يرهق الاقتصاد الوطني ويرفع الكلفة على المواطن.
كما انتقد النائب محمد بوي الشيخ محمد فاضل استمرار منح العقود للشركة نفسها، متسائلاً عن أسباب غياب المنافسة الحقيقية.
وتداولت وسائل إعلام محلية اتهامات للشركة بالاستفادة من شبكة وسطاء وعمولات، غير أن هذه الاتهامات لم يصدر بشأنها أي حكم قضائي يثبتها.
في المقابل، تؤكد الجهات الرسمية أن العقود تُمنح عبر مناقصات دولية، وأن الدولة تبحث عن أفضل العروض القادرة على ضمان تزويد السوق بانتظام.
هل تسيطر آداكس على كامل سلسلة المحروقات؟
تشير تقارير اقتصادية وإعلامية إلى أن نفوذ الشركة لم يعد مقتصراً على استيراد المحروقات فقط، بل امتد إلى:
النقل البحري
التخزين
التوزيع
تموين السفن بالوقود (Bunkering)
وفي عام 2021 أعلنت الشركة بدء نشاط تزويد السفن بالوقود في المياه الموريتانية، خصوصاً في نواذيبو.
ويرى خبراء أن هذا التوسع يمنح الشركة قدرة أكبر على التحكم في السوق.
كما اعتبر محللون أن سيطرة مورد واحد على كامل سلسلة الإمداد تجعل الاقتصاد الوطني هشاً أمام أي خلاف أو اضطراب.
*أزمة المخازن النفطية… الحلقة الأضعف
من أبرز النقاط التي يثيرها منتقدو ملف المحروقات في موريتانيا مسألة ضعف البنية التحتية للتخزين.
فموريتانيا لا تمتلك حتى اليوم مخزوناً استراتيجياً كبيراً يمكنه حماية السوق من الأزمات أو تقلبات الأسعار العالمية.
وتشير تقارير إلى أن جزءاً من أزمة الاعتماد على الموردين الخارجيين يعود إلى تأخر إنجاز منشآت تخزين حديثة.
ويقول خبراء إن البلاد كانت بحاجة منذ سنوات إلى بناء خزانات استراتيجية تسمح بتخزين كميات كبيرة من الوقود لعدة أشهر، بدل الاعتماد على الشحنات المتتابعة.
وتوجد في البلاد منشآت تخزين محدودة السعة مقارنة بحجم الطلب الوطني، بعضها تابع لشركات خاصة، وبعضها مرتبط بالميناء والمنشآت البترولية التقليدية.
لكن مشاريع توسيع السعات التخزينية شهدت تأخيرات متكررة، ما جعل موريتانيا أكثر هشاشة أمام أي اضطراب في التوريد.
ويرى اقتصاديون أن غياب بنية تخزين قوية ساهم عملياً في تعزيز نفوذ الشركات الأجنبية الموردة، وفي مقدمتها ADDAX.
الغرامات والأزمات المتكررة
عرفت العلاقة بين السلطات الموريتانية والشركة عدة أزمات خلال السنوات الأخيرة.
وتحدثت تقارير إعلامية عن فرض غرامات تأخير مرتبطة بوصول الشحنات، كما أثيرت خلافات حول شروط العقود والأسعار.
وفي بعض الفترات، تحدثت وسائل إعلام عن مخاوف من حدوث أزمة محروقات بسبب تعطل الإمدادات.
كما أوردت تقارير دولية أن الحكومة فكرت أكثر من مرة في البحث عن مورد بديل، قبل أن تعود وتُجدد التعاقد مع الشركة.
هذا التذبذب في العلاقة كشف حجم اعتماد البلاد على مورد واحد.
بين الضرورة الاقتصادية وشبهة الاحتكار
يدافع بعض الخبراء عن استمرار التعاقد مع الشركة باعتباره «خياراً اضطرارياً» في ظل ضعف السوق المحلية.
ويقول هؤلاء إن ADDAX تمتلك:
شبكة تمويل قوية
قدرة على تأمين الشحنات بسرعة
خبرة في الأسواق الإفريقية عالية المخاطر
علاقات مصرفية دولية
كما أن المؤسسات المالية الدولية نفسها دعمت عمليات الشركة في موريتانيا.
لكن المعارضين يعتبرون أن ذلك لا يبرر استمرار الاعتماد على ممون واحد لعقد كامل تقريباً.
ويطرح منتقدو الملف أسئلة حول:
شفافية المناقصات
شروط العقود
هوية الوسطاء المحليين
الأرباح المحققة
مدى تأثير النفوذ السياسي والاقتصادي
*أين الدولة من بناء سيادة طاقوية؟
تكشف قضية ADDAX أزمة أعمق من مجرد عقد توريد محروقات.
فالملف يعكس هشاشة البنية الطاقوية في موريتانيا، وضعف الاستثمار في:
التخزين الاستراتيجي
المصافي المحلية
تنويع الموردين
بناء احتياطي وطني
كما يبرز غياب سياسة طاقوية طويلة الأمد تقلل من الارتهان للأسواق الخارجية.
ويرى مراقبون أن استمرار الوضع الحالي يجعل أي شركة قادرة على فرض نفوذ واسع بمجرد امتلاكها التمويل والقدرة اللوجستية.
*لماذا تثير آداكس كل هذا الجدل؟
لا يعود الجدل حول ADDAX إلى مجرد كونها شركة أجنبية فازت بعقود توريد، بل لأن ملفها ارتبط تدريجياً بجملة من الإشكالات البنيوية داخل الاقتصاد الموريتاني.
فخلال سنوات قليلة، أصبحت الشركة:
المورد الأبرز للمحروقات
شريكاً رئيسياً لمؤسسات استراتيجية
فاعلاً داخل التخزين والنقل البحري
مستفيدة من تمويلات دولية ضخمة
مرتبطة بعقود بمئات ملايين الدولارات
وفي المقابل، ظلت الدولة عاجزة عن بناء بدائل حقيقية تقلل من الاعتماد على مورد واحد.
هذا الواقع جعل كثيرين ينظرون إلى الشركة باعتبارها رمزاً لأزمة أعمق تتعلق بطريقة إدارة قطاع الطاقة في موريتانيا، أكثر من كونها مجرد فاعل اقتصادي عادي.
ويرى خبراء أن استمرار الوضع الحالي يحمل عدة مخاطر، أبرزها:
هشاشة الأمن الطاقوي
ضعف القدرة التفاوضية للدولة
ارتفاع كلفة المحروقات
غياب المنافسة الفعلية
تركز النفوذ الاقتصادي في قطاع حساس
كما يثير الملف تساؤلات متزايدة حول مستقبل قطاع الطاقة في ظل اقتراب موريتانيا من دخول عصر إنتاج الغاز الطبيعي.
فهل ستتمكن الدولة من بناء نموذج أكثر استقلالية وشفافية؟ أم أن شبكات المصالح المرتبطة بعقود الطاقة ستستمر في إعادة إنتاج نفسها؟
على مدى سنوات، تحولت شركة ADDAX Energy من مجرد مورد أجنبي للمحروقات إلى لاعب أساسي في واحدة من أكثر القطاعات حساسية في موريتانيا.
وبينما ترى الحكومة أن الشركة تؤمن استقرار الإمدادات في سوق هش، يرى منتقدون أن استمرار العقود معها يعكس خللاً عميقاً في إدارة قطاع الطاقة، ويفتح الباب أمام شبهات الاحتكار وتضارب المصالح.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع موريتانيا بناء استقلالية حقيقية في مجال الطاقة، أم أنها ستظل رهينة لعقود التوريد الخارجية وشبكات النفوذ المرتبطة بها؟
عالي أحمد سالم كاتب ومحلل صحفي
