
بنشاب : في زمن تتعاظم فيه التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تبقى وحدة الشعوب وتماسكها هي السدّ الحقيقي أمام كل محاولات التفرقة والانقسام. وموريتانيا، بتاريخها المشترك ونسيجها الاجتماعي المتنوع، ليست بحاجة إلى خطابات الكراهية ولا إلى النزعات الشرائحية الضيقة، بل تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى خطاب وطني جامع يعلي قيمة الإنسان الموريتاني قبل أي انتماء آخر.
لقد أثبتت التجارب في مختلف دول العالم أن الكراهية حين تتسلل إلى الخطاب السياسي والإعلامي والاجتماعي، فإنها تتحول تدريجياً إلى معول يهدم الثقة بين أبناء الوطن الواحد، ويزرع الشك والخوف والتناحر بدل روح المواطنة والتعايش. كما أن استغلال الفوارق الاجتماعية أو العرقية أو الجهوية لتحقيق مكاسب ظرفية لا يخدم سوى دعاة الفوضى والانقسام، ويهدد استقرار الدولة ومستقبل الأجيال القادمة.
إن موريتانيا التي حلم بها الآباء المؤسسون ليست موريتانيا الفئات المتصارعة، بل موريتانيا المتصالحة مع ذاتها، المعتزة بتنوعها الثقافي والاجتماعي، والمنفتحة على جميع أبنائها دون تمييز أو إقصاء. فالوطن لا يبنى بمنطق الغالب والمغلوب، وإنما يبنى بالشراكة والعدالة والتكافل واحترام الكرامة الإنسانية.
ومن هنا، فإن المسؤولية اليوم تقع على الجميع:
على السياسيين أن يجعلوا من خطاب التهدئة والوحدة الوطنية أساساً للعمل العام، وأن يبتعدوا عن كل ما من شأنه تأجيج الانقسامات أو استغلال معاناة المواطنين لأغراض ضيقة.
وعلى الإعلاميين والمثقفين والنخب أن يكونوا جسوراً للتقارب لا منصات للتحريض، وأن يرسخوا ثقافة الحوار والتسامح واحترام الاختلاف.
كما أن على الشباب، وهم القوة الحقيقية للمستقبل، أن يرفضوا الانجرار خلف دعوات الكراهية والتصنيف، وأن يؤمنوا بأن موريتانيا تتسع للجميع.
إن بناء دولة قوية وآمنة ومستقرة لا يتحقق إلا بتعزيز روح الأخوة والتعاضد والتكافل بين المواطنين، والعمل المشترك من أجل التنمية والعدالة والعيش الكريم. فلا أمن بلا وحدة، ولا استقرار بلا عدالة، ولا مستقبل بلا مصالحة وطنية حقيقية قائمة على الاحترام المتبادل والإنصاف.
إن المرحلة الراهنة تتطلب خطاباً وطنياً مسؤولاً يضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة، ويؤمن بأن تنوع المجتمع الموريتاني ليس تهديداً، بل مصدر قوة وغنى حضاري وإنساني. فحين يتكاتف الموريتانيون، بمختلف مكوناتهم وانتماءاتهم، يصبح الوطن أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وصناعة المستقبل.
ولذلك، فإن الواجب الوطني والأخلاقي يفرض علينا جميعاً أن ننبذ خطاب الكراهية والشرائحية، وأن نتمسك بقيم التآخي والتسامح والتضامن، حفاظاً على موريتانيا موحدة، آمنة، مستقلة...
