
بنشاب : بمناسبة عيد العمال العالمي، تقف الشغيلة الوطنية وقفة وعيٍ ومسؤولية، تستحضر ما تحقق من مكاسب، وتستشرف ما ينبغي أن يُستدرك من اختلالات. ولا مراء أن ما أقدمت عليه الدولة، بقيادة محمد بن الشيخ الغزواني، من تحسينٍ للوضعية المادية عبر الزيادات القطاعية ورفع سقف الأجور، يُعدّ خطوةً معتبرة في اتجاه تصحيح المسار، وإشارةً إيجابية إلى إرادة الإصلاح.
غير أن هذه البدايات، على وجاهتها، لا تزال دون مستوى الطموح، ما دامت الفوارق بين الرواتب قائمةً على نحوٍ يبعث على القلق، ويُثقل كاهل ذوي الدخل المحدود، في سوقٍ واحدة لا تعرف تمييزًا بين الأجور عند الاستهلاك. إذ كيف يستقيم ميزان العدالة، وراتبٌ يجاوز نظيره أضعافًا مضاعفة، لا لاعتباراتٍ دقيقةٍ في الكفاءة أو عبء المسؤولية، بل في ظل غياب معايير واضحةٍ ومنصفةٍ تضبط هذا التفاوت وتُحكِم منطقه؟
إن اتساع الهوة بين الأجور لا يمسّ جانبًا ماديًا فحسب، بل يضرب في عمق الشعور بالإنصاف، ويُضعف الثقة في جدوى الجهد، ويُوهن قيمة الزمن والخبرة. فمما يُؤلم الحسّ السليم، ويستفزّ منطق الأشياء، أن يعلّم المعلّم تلميذه، ثم تدور الأيام، فإذا الفارق بين راتبيهما قد جاوز حدود المعقول، حتى كأنّ السنين التي أفناها الأول في الخدمة، لم تُورثه إلا مزيدًا من التهميش.
ومن هنا، فإن الحاجة باتت ماسّة إلى مراجعةٍ جادّةٍ وشاملةٍ لنظام الأجور، مراجعةٍ تُعيد ترتيب السلم الوظيفي على أسسٍ من العدالة والتوازن، فتُقلّص الفوارق المفرطة، وتربط الأجر بميزانٍ مركّبٍ من الكفاءة، والخبرة، والمستوى العلمي، وحجم العطاء. وليس المقصود تسويةً تُذهب الفوارق الطبيعية، وإنما تقويمٌ يرفع الغبن، ويمنح كلَّ ذي حقٍّ حقه دون إفراطٍ ولا تفريط.
إن الإنصاف في هذا الباب ليس ترفًا إداريًا، بل ضرورة اجتماعية، به تُصان الكرامة المهنية، ويُحفَز الإنتاج، وتُرسَّخ الثقة بين العامل ومحيطه المؤسسي. وفي هذه المناسبة العمالية، فإن استحضار هذه المعاني ليس من باب المعارضة، بل من صميم الحرص على استكمال مسار الإصلاح، حتى يبلغ غايته في العدل والاتزان.
فشيءٌ من الإنصاف… هو أقلّ ما يُطلب، وأعظم ما يُرتجى.
