” من يدير المال والقرار؟” إشكالية الثروة والسلطة في موريتانيا

أربعاء, 29/04/2026 - 12:15

بنشاب : ● حين تتحول الأسئلة إلى قضية وطن
في الدول التي تحترم نفسها، لا تُطرح أسئلة الثروة باعتبارها تشكيكًا، بل باعتبارها حقًا. حقٌّ للمواطن في أن يعرفه، و واجبٌ على الحاكم أن يجيب. لكن في موريتانيا، تتحول هذه الأسئلة البسيطة إلى منطقة محرّمة، و كأنها تمسّ سرًا من أسرار الدولة، لا شأناً عاماً يتعلق بالمال العام والسلطة.
منذ وصول محمد ولد الشيخ الغزواني إلى الحكم في أغسطس 2019، ظل سؤال واحد يطفو كل مرة ثم يُغرق: ما هي مصادر الثروة؟ ليس فقط ثروة الرئيس، بل ثروة الدائرة الضيقة المحيطة به، زوجته، مستشاريه المقربين ، محيطه الضيق، و الفاعلين غير المرئيين الذين يقال إنهم يديرون القرار من خلف الستار.
المفارقة أن النظام نفسه يتحدث عن “محاربة الفساد” و يُشدد على قوانين التصريح بالممتلكات و إنشاء هيئات رقابية ، لكن المواطن لا يرى انعكاسًا عمليًا لهذا الخطاب في الشفافية الفعلية. فالتصريح بالممتلكات، إن وُجد، يظل حبيس الأدراج، لا يُنشر، و لا يُناقش، و لا يُدقق فيه من طرف رأي عام محروم من المعلومة.

● السلطة والثروة… العلاقة الغامضة
الرئيس ليس رجل أعمال معروف قبل الحكم، بل ضابط عسكري تدرّج في المناصب حتى وصل إلى قيادة الجيش ثم وزارة الدفاع، قبل أن يصبح رئيسًا . و هنا يطرح السؤال نفسه: كيف تتشكل الثروات الكبيرة في مسارات وظيفية عمومية؟ هل هي نتيجة امتيازات مشروعة؟ أم شبكة مصالح؟ أم مجرد شائعات يضخمها الإعلام ؟
الأخطر من ذلك، ليس حجم الثروة في حد ذاته، بل غياب الشفافية حولها. لأن الفراغ المعلوماتي لا يبقى فراغًا… بل تمتلئه الروايات، و التسريبات، والاتهامات. و قد رأينا كيف تحولت تصريحات متبادلة بين الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز وخلفه إلى مادة جدل حول الأموال والمصادر . سواء كانت هذه التصريحات صحيحة أو جزءًا من صراع سياسي، فهي تكشف شيئًا أخطر: هشاشة الثقة.

● زوجة الرئيس… حضور إنساني وصمت مالي!
زوجة الرئيس، كثيرة الظهور إعلاميا، بنشاطها في المجال الاجتماعي والصحي، خاصة دعم قضايا الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، تقدم صورة إنسانية هادئة . لكن، كما هو الحال مع الرئيس، تغيب أي معطيات واضحة حول ممتلكاتها أو ارتباطاتها الاقتصادية، إن وجدت.
و هنا لا يتعلق الأمر بالتشهير، بل بالمبدأ: كل من يوجد في قلب السلطة، أو قريب منها، يصبح جزءًا من منظومة يجب أن تكون شفافة، لأن النفوذ قد يتحول – في غياب الرقابة – إلى مصدر غير مباشر للثروة.

● “المحيط المقرب ”… الدولة غير المرئية
في كل أنظمة العالم الثالث هناك “دولة رسمية” و أخرى غير مرئية: مستشارون، رجال أعمال، وسطاء، و أشخاص لا يحملون صفة دستورية لكن تأثيرهم يتجاوز أحيانًا الوزراء أنفسهم. هؤلاء هم السؤال الأكثر حساسية:
▪︎ من هم؟
▪︎ كيف وصلوا؟
▪︎ ما حجم نفوذهم؟
▪︎ ما علاقة ذلك بتشكل الثروات داخل النظام؟
هذه المنطقة الرمادية هي التي تغذي فكرة أن الحكم لا يُدار فقط من المؤسسات، بل من شبكات مصالح ومقربين يصعب تتبعها أو محاسبتها.

● المشكلة ليست في الاتهام… بل في الصمت
قد تكون كل هذه الأسئلة مبالغًا فيها. قد يكون جزء كبير منها مبنيًا على الشك لا على الوقائع. لكن المسؤولية هنا لا تقع على من يسأل، بل على من لا يجيب!
في الأنظمة الديمقراطية، يُغلق باب الشائعات:

▪︎ بنشر الحقائق:
▪︎ تصريح علني بالممتلكات
▪︎ تقارير مالية مفصلة
▪︎ إتاحة المعلومات للصحافة
▪︎ فتح المجال للتحقيقات المستقلة
أما الصمت، فهو البيئة المثالية لازدهار كل الروايات، الصادقة منها و الكاذبة!

● قبل فوات الأوان
السؤال عن الثروة ليس ترفًا سياسيًا، بل هو اختبار حقيقي لمصداقية أي نظام يدّعي محاربة الفساد. و إذا لم تُجب السلطة عن هذه الأسئلة بنفسها، فسيجيب عنها الشارع… بطريقته الخاصةو كذالك الإعلام.
و في لحظة ما، لن يكون السؤال: “ما مصدر الثروة؟”
بل: “لماذا لم تتم الإجابة حين كان ذلك ممكنًا؟”