النظام الحاكم وخطر الدائرة الاجتماعية الضيقة/ عالي محمد ولد أبنو

خميس, 23/04/2026 - 11:44

بنشاب : في قراءة دقيقة للوقائع، يقول التاريخ إن محمد ولد عبد العزيز، خلال أحد عشر عاما من حكم موريتانيا، لم يفرض حظر التجوال ولو لليلة واحدة. وهي حقيقة ذات وزن ومعنى عميق، في حين اعتادت الأنظمة الضعيفة والمهزوزة الثقة والمرتبكة أن تجعل من هذا الإجراء أول رد فعل عند كل اهتزاز أمني أو سياسي. 
لقد وصل محمد ولد عبد العزيز إلى السلطة في ظرف دولي بالغ القسوة، مثقل بتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية لسنتي 2008–2009. ومع ذلك، سجلت المؤشرات الداخلية قدرا من التحسن؛ إذ جاء قراره الأول بخفض أسعار الوقود، ثم اتجه إلى معالجة ملف الأحياء العشوائية لا بمنطق الهدم والتغطرس، بل عبر تقسيم الأراضي واستصلاحها ما أمكن، في مقاربة جمعت بين التنظيم والتوسعة.

وفي السياق نفسه، سعى إلى ضبط كلفة المواد الأساسية، فظلت الأسواق ممونة دون انقطاع، ولم تسجل حالات اختفاء لمواد حيوية أو أدوية أساسية. كما أطلق دكاكين أمل كآلية تدخل اجتماعي لكسر الاحتكار، وتخفيف الضغط عن الفئات الهشة، وفرض قدر من الانضباط السعري على التجار. كما شهد عهده ما يمكن توصيفه، دون مبالغة إنشائية، بطفرة نسبية في مسارات العدالة الاجتماعية وتحديث الإدارة، مقارنة بما كان سائدا قبله.
ويُسجل له التاريخ، كذلك، أنه لم يُساوم على الدولة تحت ضغط القرب الاجتماعي، بل دخل في صدام مباشر مع عدد من كبار رجال أعمال محيطه الاجتماعي والمحيط الاجتماعي لزوجته الذين التفوا حوله عند وصوله إلى السلطة، ظنا منهم أن مفاتيح الدولة قد آلت إليهم وأن خيراتها فتحت لهم هذه المرة بلا قيد.

غير أن تلك الحسابات سرعان ما اصطدمت بواقعٍ مغاير، فأفضى ذلك إلى مواجهات حادة و ممتدة، شملت حتى بعض أقاربه من ذوي النفوذ الاقتصادي، الذين لم يستسيغوا ما رأوه تضييقا على امتيازاتهم.

وكان ذلك انقلابا على نمط مألوف في عهود سابقة، حيث اعتاد هؤلاء معاملة تُيسر لهم الولوج وتُمهد لهم المسارات، و لا سيما من نسجوا شراكات مع دوائر نافذة داخل القصر في الأنظمة التي سبقته.
بالتوازي، لم تكن سنواته الأولى هادئة؛ هجمات إرهابية و معارك داخل و خارج الحدود و احتجاجات سياسية متواصلة، و ربيع عربي منفلت يتطاير شرره على القريب والبعيد، و تهديدات أمنية فعلية في محيط إقليمي مضطرب.

ومع ذلك، لم تتحوّل هذه الضغوط إلى سياسة ممنهجة لقمع الخصوم عبر الاعتقال السياسي أو تقييد الحركة العامة. بل اختار مقاربة تقوم على الحضور الميداني المباشر، من خلال زيارات مفاجئة للأحياء الشعبية، في مسعى لمعاينة الواقع دون وسائط بيروقراطية، و الإطلالات الإعلامية من وقت لآخر. وعلى المستوى العمراني، عرفت نواكشوط و مدن الداخل توسعا لافتا، و تراجعا ملموسا للأحياء العشوائية عبر توزيع القطع الأرضية و إعادة تنظيم المجال الحضري، لا عبر الهدم القسري الذي غالبا ما يُفاقم الهشاشة الاجتماعية بدل معالجتها و يؤجج الغليان الشعبي حتى لو لم يؤدي مباشر إلى النزول للشارع.
هذه المعطيات، بمعزل عن المواقف و الانحيازات، تضع تلك المرحلة ضمن التجارب التي تستوجب تقييما واقعيا بعيد عن العواطف و الانطباعات اللحظية و التخندقات، يزن الكلفة و العائد، و يُقارب النتائج بعيدا عن منطق التقديس أو الإدانة المسبقة، و لا التملق أو الشيطنة.

غير أن هذه القراءة نفسها تُفضي إلى خلاصة مقلقة في الوقت الحاضر؛ فالخطر الأشد على أي سلطة لا ينبع دائما من معارضيها، بل يتسرب من دائرتها الأقرب.

حين يقترن ضعف الكفاءات بطمع منفلت، و يجتمع شغف السلطة مع نهم غير مسبوق لاحتكار المال و المناصب لدائرة اجتماعية ضيقة، يتحول القرب الاجتماعي من مركز القرار إلى رافعة نفوذ لا إلى أداة انضباط، فتبدأ عملية تقويض صامتة من الداخل. و حينها يتكون حنق شعبي قد لا يثور فورا، بل يظل جمرة كامنة تحت الرماد، ينتظر لحظته.
إن الدول الهشة لا تحتمل هذا القدر من الارتجال و لا هذا الاندفاع في التموقع؛ فهي لا تُدار بالرغبات و الميولات، بل بالدقة و الانضباط. و أي تساهل مع هذه الاختلالات لا يراكم إلا كلفة مؤلمة مؤجلة الدفع، يقترب استحقاقها كلما ازداد ارتباك القرار، و توسع التضييق على المواطنين، و ترسخ تمكين المقربين. عندها تتآكل الثقة، و تنكشف دروع الدولة و تنهار مناعتها، و يغدو الانكشاف العام و السقوط مسارا لا رجعة فيه.

باريس - 21 ابريل 2026