
بنشاب : في مشهد من الاستهتار والاستخفاف بممتلكات المواطنين تواصل حكومة ولد انجاي سياسية الأرض المحروقات التي يتتهجها العدو الإسرائيلي في غزه و لبنان. .
جرافات و اليات تنطلق ، لا لتبني أو تطوّر أو تعمّر… ، لا لتُصلح طريقاً متهالكاً، أو تُنشئ حديقة لأطفال، أو تُنظّم أحياءً سكنية، بل تدمر بهمجية بيروقراطية تحت عنوان: إزالة “التجاوزات” على أملاك الدولة… ؛
تندفع لتهدم البيوت ؛ كما لو كانت تحمل رسالة مفادها: “نحن هنا… لكن ضدكم”… ؛ فتندفع الجرافات لهدم ما تبقّى من أحلام البسطاء، لا لمصلحة القانون أو تنفيذاً للتخطيط الحضري، بل تنفيذاً لحصاد نتائج زمن الإهمال و التعسّف، و غياب الدولة و ترك الحبل لعصابات التزوير في وزارة الاسكان تمرح سنين خلت مع تواطئ رسمي.
و كأن الجرح الذي تركه ارتفاع الأسعار الجنوني والبطالة و عصابات شيخ الرضا لم يكفِ نزفًا، أو أن صبر المواطنين لا يزال يحتمل مزيدًا من القهر والاذلال … ؛ و كأن هذا المواطن الذي يئنّ تحت وطأة الفقر والبطالة و انعدام السكن و غياب الخدمات بحاجة إلى المزيد من الإذلال لا إلى حلول جذرية.
او كأنّ يد الدولة لا تتحرك إلا حين تريد إثبات سلطتها على أضعف أبنائها… ؛ و كأن نكء معاناة الفقر و البطالة و استفزاز الضرائب هو شكل من أشكال الدعاية أو بروفا للانضباط الوهمي…!! الذي يحاول ولد أجاي ايهام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني به...
تُنفّذ هذه العمليات بلا سابق إنذار، و بدون بدائل واقعية أو خطط إسكانية أو حلول انسانية ، و لم تسبقها دراسات اجتماعية أو اقتصادية، مما حول الدولة من كيان راعٍ للمواطن إلى خصم له، تتفنّن في نكء جراحه وقهره ، … ؛
و بينما يُهدم بيت بسيط شُيّد بالكدّ و الحرمان و تحت الشمس اللاهبة، تعلو صرخة المواطن المكروب التي باتت شعارًا مألوفًا في الأحياء المنكوب: (( نحن لسنا ضد الدولة و لا ضد القانون… لاكن وفّروا النا البديل… والله تعبنا )) .
المواطن الفقير في هذه البلاد لا يبني قصرًا ولا فندقًا، بل يضع للبنة فوق للبنة، و أوقية فوق أوقية، ويجمع الفتات من عمله الشاق ليوفر لأسرته مأوى، ... ؛ ثم تأتي الدولة، لا لتُسعفه، بل لتهدم عليه تعب السنين، متذرعةً بعبارة: “إزالة التجاوزات.”… ؛ نعم إنهم اشتروا أرضهم من جهات مافيووية نافذة، و بنوا بيوتهم بعرق جباههم،، وحلمًا فوق حلم… ؛ ثم بعد سنين من التعب والتقشف و العمل الجماعي، تأتـي الحكومة لتفاجئهم بقرار الهدم، و كأنها تقتصّ من الفقير لا من حيتان الفساد و اصحاب القرار و المتنفذين …؟!
فمنذ سنوات عاثت نفس العصابات تحت عباءة شيخ الرضا في الأرض فسادا و سلبت آلاف المساكن من أهلها ظلما وجورا و تحت غطاء رسمي و مباركة تشريعية هاهو الشيخ الرضا اليوم تحت الحماية و الرعاية و هاهم الضحايا مجرد أرقام في محاكم تموت قضايا النافذين علي ادراجها
و الفضيحة الأكبر تكمن في أن الدولة نفسها – أو المتنفذين المنتمين إليها – قد باعوا هذه الأراضي لمواطنين يبحثون عن مأوى، ثم عادت لتعاقبهم على ما اقترفته هي عبر وكلائها.
لقد دفع المواطنين ثمن الأرض، و ثمن أعمدة الكهرباء، و ثمن الحصى و اللبن و الإسمنت، ثم جاءته الجرافة فمزقت كل شيء، بلا إنذار، بلا محكمة، بلا بديل.
هذه ليست مجرد إزالة “تجاوز”، بل عملية سطو مزدوجة: على جيب المواطن، و على كرامته.
إنها سياسة تعذيب جماعي بلا رحمه .
نعم انه الاستغلال المزدوج : اذ تتحكم الشخصيات النافذة في أراضي الدولة… ؛ اذ يشتري المواطن المغلوب على أمره قطعة أرض منهم بأسعار باهظة، ثم يبدأ رحلة عذاب أخرى من ادخار و بناء ذاتي، غالباً دون خدمات أساسية… و بعد أن يبني مسكنه البسيط بدم قلبه ومعاناة أسرته، تأتي آليات الهدم الحكومية لتدمر هذا المسكن و تلقي به و عائلته في العراء، بلا اكتراث لوجود مرضى أو معاقين أو أطفال … ، إنها كارثة إنسانية و أخلاقية بكل المقاييس...!!
و الأدهى من ذلك، أن هذه البيوت التي تُهدم أحيانًا تعود لعوائل أشخاص ضحّوا بأنفسهم من أجل الوطن، و كأن التكريم يتم عبر تشريد الأطفال و الأمهات و إلقائهم في العراء تحت الشمس اللاهبة… أيّ نُكرانٍ أكثر من هذا؟!
أي وطن هذا الذي يجعل من مواطنيه “سائبين”، لا مأوى لهم ، و كأنهم حيوانات ضالة؟!
يفقد المواطن الأرض التي دفع ثمنها ، و مواد البناء، و الجهد و الوقت الذي استثمره، ليصبح بلا مأوى .
و تهدر الدولة أموالاً طائلة في عمليات الهدم نفسها، بينما تضيع عليها إيرادات ضخمة كان يمكن جنيها لو تم تنظيم بيع هذه الأراضي بشكل قانوني وشفاف لذات المواطنين منذ البداية، مع فرض رسوم وضرائب على الخدمات المقدمة لهم، مما يدعم الخزينة العامة. دون ان يخسر طرف
تزيد هذه السياسات التي يتنهجها ديناصور الفساد من اتساع الهوة بين الدولة و المواطن، و تقوض أي شعور بالعدالة أو الانتماء، و تغذي السخط و الغضب الاجتماعي.
أليس من المفارقة أن الدولة التي تتقاعس عن بناء مجمعات سكنية أو توزيع الأراضي بشكل عادل، تسارع فقط في إصدار أوامر الهدم؟!
أليس من العبث أن تبيع عصابات الدولة الأرض للمواطن، ثم تهدمها الدولة ذاتها؟!
أليس من الظلم أن تشتري العائلة أعمدة الكهرباء و مستلزمات البناء، و تدفع الرسوم، ثم تُرمى في العراء؟!
ماذا لو كانت الدولة قد منعت بيع الأراضي غير القانونية من البداية؟
ماذا لو وضعت آلية لتوزيع السكن بمقابل رمزي، و ربطته بشبكات خدمات و مدارس و مستشفيات … الخ ؟
ماذا لو اعتبرت المواطن شريكًا لا متجاوزًا، و قررت أن تُنظّم لا أن تهدم؟
في كل دول العالم، تُبنى العشوائيات حين تغيب الدولة، لا حين تكون حاضرة… ؛ و موريتانيا لا تفتقر للأرض و لا للمال، بل تفتقر للإرادة و العدالة و الحكومة الخدمية و المهنية و النزيهة و الوطنية .
أما الأموال التي خسرها المواطنون بسبب الهدم، فهي مليارات طارت مع الغبار، لم تُسجّل في دفاتر الدولة، و لم تُعوّض بها عائلة، بل أصبحت مجرد أرقام في جداول الخسارة الجماعية المتكررة و المستمرة .
متى تعقل الحكومة قبل أن تُبتر أوصال المجتمع؟
إنَّ إدارة الأزمات عبر القمع بدل الحلول، والهدم بدل التخطيط، تفضي إلى ما هو أخطر من الفقر: إلى انعدام الثقة بالوطن ذاته... ؛ بل حقد المواطن على الحكومة والوطن معا … .
من قال إن القانون لا يرحم؟ بل إن من يطبقه دون عدالة هو من لا يرحم.
و من قال إن المواطن يُحبّ التجاوز؟ بل يُجبر عليه حين يُسحب البساط من تحته.
نعم، لكل داء دواء، ولكل تجاوز حل… لكن لا دواء في دولة تُعاقب الفقير لأنه فقير، و لا حل في منظومة ترى في المواطن عبئًا و عدوا لا شريكًا ومواطنا .
*البديل موجود… و لكن لا إرادة للحل
إن الكارثة لا تكمن في التجاوز نفسه بقدر ما تكمن في غياب البدائل… ؛ فلو كانت الدولة جادة في التنظيم الحضري و الإصلاح، لأعدّت مشاريع إسكانية مخططة، وقدّمت قروضًا سكنية حقيقية، و وزعت أراضي بطريقة عادلة و شفافة… ؛ لكنها لا تفعل ذلك… ؛ بل تفتح الحدود أمام البضائع الرديئة، و تدمّر الصناعة الوطنية، و تترك العصابات تعبث بالاختام و تزوير الوثائق و تحوّل شبابها إلى عاطلين يدمنون المقاهي و المخدرات، ثم تأتي لتجردهم حتى من سقف يأويهم!
إنّ الأوطان لا تُبنى بجرف الجرافات ، و لا تترسّخ السلطات بالبطش… ؛ بل تبنى بالعدالة، و بالبدائل الواقعية، و بالسياسات التي ترى في المواطن شريكًا لا خصمًا.
و كلما ظلّت الدولة تعالج الأخطاء بأخطاء أفدح، و تُكرّر ممارساتها الإقصائية تحت شعارات كاذبة، فإنها تحفر خندقًا أعمق بينها و بين مواطنيها .
فهل من سامع؟
بقلم شيخنا سيد محمد
