
بنشاب : في لحظات التاريخ الفارقة، لا تتحرك الجغرافيا وحدها، بل تتزلزل معها خرائط النفوذ، وتتشكل على إيقاعها ولادة نظام دولي جديد ، ويبدو أن العالم اليوم يقف عند عتبة مرحلة انتقالية عميقة، أشبه بـ“مخاض كوني” لا يقتصر على أزمة إقليمية أو صراع عابر، بل يمتد ليطال بنية النظام الدولي ذاته، في مسار يعيد توزيع القوة والثروة والقرار السياسي على نطاق عالمي واسع.
- إن التوترات الممتدة من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، ومن مضيق هرمز إلى سواحل البحر الأحمر، ليست مجرد أحداث متفرقة، بل مؤشرات متراكمة على اهتزاز مركزية النظام الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.
- فالممرات الحيوية للطاقة والتجارة، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس الإمدادات النفطية العالمية، تحولت إلى عقدة استراتيجية تكشف هشاشة التوازنات الدولية أمام أي تصعيد جيوسياسي.
- في هذا السياق، لم تعد القوة تُقاس فقط بحجم الجيوش أو النفوذ الدبلوماسي، بل بقدرة الدول على التحكم في شرايين الاقتصاد العالمي، وفي مقدمتها الطاقة وسلاسل الإمداد ؛ وهنا تتقاطع مصالح القوى الكبرى مع دول الإقليم، حيث يصبح الخليج ليس مجرد منطقة نفطية، بل مركز ارتكاز في معادلة الأمن الاقتصادي العالمي، ومرآة تعكس هشاشة الاعتماد المتبادل بين الخصوم والحلفاء على حد سواء.
- أما السياسات الأمريكية في هذا الإطار، بما فيها التوجهات الصدامية أو الضاغطة تجاه إيران، فهي تعكس بدورها محاولة لإعادة ضبط ميزان الردع في منطقة شديدة الحساسية، غير أن هذه السياسات، مهما بلغت حدتها، لا يمكن فصلها عن شبكة مصالح معقدة تشمل حلفاء واشنطن في الخليج، والأسواق الآسيوية الصاعدة، والاقتصادات الأوروبية التي تعتمد بشكل مباشر على استقرار الطاقة.
- في المقابل، تتحرك قوى إقليمية لها تاريخها وحضارتها الضاربة في الجذور كإيران ضمن منطق “الضغط المتبادل”، حيث تتحول الجغرافيا البحرية إلى ورقة تفاوض، لا ورقة حسم نهائي.
-غير أن هذه المعادلة تبقى محكومة بتوازن دقيق، لأن أي اختلال كبير في المضائق الحيوية لا ينتج رابحًا مطلقًا، بل يخلق سلسلة خسائر تمتد خارج حدود الإقليم إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
من هنا، يمكن فهم المشهد الحالي باعتباره مرحلة انتقالية في بنية النظام الدولي، تتراجع فيها أحادية القرار، وتتصاعد فيها ملامح التعدد القطبي، حيث لم تعد دولة واحدة قادرة على فرض إيقاعها منفردة على العالم، بل باتت القوى تتقاطع وتتداخل في شبكة معقدة من الردع والمصالح المتبادلة.
- ولعل أخطر ما يميز هذه المرحلة هو أن التحولات لم تعد بطيئة أو تدريجية كما في الماضي، بل أصبحت متسارعة، متداخلة، وغير قابلة للتنبؤ بسهولة وذلك ما يجعل العالم اليوم أقرب إلى “نظام في حالة تشكل مستمر”، حيث يمكن لأي أزمة إقليمية أن تتحول إلى نقطة انعطاف في مسار التاريخ.
- في خضم هذا المشهد، تبدو الحقيقة الأبرز أن ما يجري ليس نهاية نظام فحسب، بل ولادة آخر، هي ولادة لا تخلو من الألم، ولا من الصراع، ولا من إعادة توزيع النفوذ، حيث تصعد قوى وتتراجع أخرى، وفق منطق تاريخي ثابت:
- إن التحولات الكبرى لا تمنح امتياز البقاء للجميع، بل تعيد فرزهم وفق قدرتهم على التكيف مع زمن جديد يولد من رحم الاضطرابات .
- إنه مخاض كوني بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيث لا شيء يبقى كما كان، وحيث تتشكل خرائط العالم من جديد تحت ضغط القوة، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والتاريخ الذي لا يتوقف عن الحركة.
احمد مختيري.
