
بنشاب : لم تكن أحداث الأحد في نواكشوط مجرد حراك عابر أو انفجار غضب محدود، بل بدت كأنها لحظة كاشفة، لحظة انتقل فيها المزاج العام من الصمت الحذر إلى التعبير المباشر، و من القبول المؤقت إلى مساءلة عميقة لجدوى “التهدئة” التي طالما رُوّج لها كخيار استراتيجي يحفظ الاستقرار.
لقد شكّلت تلك الأحداث بداية تفكيك عملي لمقولة التهدئة، ليس على مستوى الخطاب السياسي فقط، بل على مستوى الشارع الذي بدا أقل استعدادًا لتصديق الرواية الرسمية. فالتهدئة، كما طُرحت، كانت تفترض ضمنيًا وجود توافق واسع أو على الأقل صمت قابل للاستمرار، غير أن ما جرى أظهر أن هذا الصمت لم يكن سوى تراكم مؤجل للاحتقان، و أن الإجماع الذي جرى تسويقه لم يكن إلا بناءً هشًّا سرعان ما ظهرت فيه التشققات عند أول اختبار جدي.
و من زاوية أخرى، كشفت الأحداث عن إعادة تموضع داخل النخبة نفسها؛ فبعض الوجوه التي تشكّلت داخل “عشرية” الرئيس غزواني، و أخرى سبقتها، بدت و كأنها تتحرك وفق منطق مزدوج:
الاستفادة من النظام من جهة، و محاولة التمايز عنه عند اشتداد الضغط من جهة أخرى. و هذا السلوك يعكس أزمة أعمق، تتعلق بغياب وضوح الرؤية السياسية، و هيمنة البراغماتية الضيقة على حساب المواقف المبدئية.
أما الحضور الأمني، فقد مثّل – كما في كثير من المحطات – الوجه الأكثر وضوحًا لسلطة استنفدت أدواتها الناعمة. فعندما يتقدم الحل الأمني إلى الواجهة، فذلك غالبًا ما يكون مؤشرًا على تراجع القدرة على الإقناع السياسي، و انكماش مساحات الثقة بين الحاكم و المحكوم. و هنا تحديدًا تكمن خطورة المرحلة:
إذ لا يمكن لأي نظام أن يعوّض غياب الشرعية المتجددة بالاعتماد المستمر على أدوات الضبط و السيطرة.
إن ما حدث لا يعني بالضرورة انهيارًا وشيكًا، لكنه بلا شك يؤشر إلى بداية تحول في الوعي العام، و إلى تصدّع سرديات ظلت لسنوات تُقدَّم كحقائق ثابتة. و هو أيضًا دعوة صريحة لإعادة التفكير في أسس العلاقة بين السلطة و المجتمع، بعيدًا عن خطاب التهدئة الشكلي، و نحو مقاربة أكثر صدقًا و جرأة تعترف بالاختلالات بدل التغطية عليها.
في المحصلة، يمكن القول إن الشارع بدأ يكتب روايته الخاصة، رواية لا تعترف كثيرًا بالمسميات الرسمية، بل تختبر الواقع كما هو.
و هذه هي اللحظة التي تُختبر فيها الأنظمة:
هل تملك القدرة على الإصغاء و التكيّف، أم تواصل الهروب إلى الأمام حتى تتسع الفجوة إلى حد يصعب معه الرجوع الی الحق...
سيدي عيلال : مستشار جهوي
