
بنشاب : مذكّرات الوريث – محمد يحظيه
رحمك ربي
في هذا البلد…
إذا مرض الكبار، انتظروا.
وإذا تألمت الرموز، أُحيلَ الألم إلى لجنة.
وإذا صرخَ القلب، قيل له: عليك أن تملأ الاستمارة.
هكذا تُعامل الذاكرة حين تسقط من النعمة…
رجلٌ من الذين ملأوا الساحات حضورًا،
وصنعوا في الظلّ ما لم تصنعه خُطب الجماهير،
يُعامل اليوم كأنه غريبٌ مرَّ صدفةً من كتاب المحاضر.
لم يُطالب بمعجزة…
كل ما أراده: ألا يساوي وجعه بينه وبين الورق.
لكن في هذا الزمن…
يتحوّل الطلب الإنساني إلى نازلة فقهية،
ويُحال وجع الإنسان إلى مكاتب الضبط.
ذاك الذي كانت تنحني له الأعناق –
أصبح يشرح وجعه لحارسٍ لا يعرف الفرق بين الكرامة والتقارير.
ومَن كَتب البيان…
نسي أن هذا الرجل، يومًا ما،
كان يقرر من يحكم ومن يُحال على المعاش.
نسي أن الدولة حين تُفرّغ رموزها من الرمزية،
تُفرّغ نفسها من المعنى.
أما نحن… فنحفظ.
نحفظ كيف تصرخ المقامات القديمة بصمت،
وكيف تتألم الكبرياء إذا أُهينت بلا ضجيج،
وكيف يُصبح المرض… اختبارًا أخلاقيًّا لمن في السلطة،
لا فحصًا سريريًّا لمن في السجن.
وقد رأينا من قبل…
كيف مرَّ المختار من القصر إلى المَتن،
من رئيس تُضرب له الطبول… إلى رجلٍ يُدارى وجعه في الزوايا،
لا طبيب يسأل، ولا دولة تعتذر، ولا وطن يعترف أنه كسر مرآته بيده.
يومها – حين دخلوا عليه ببيان النهاية –
لم يصرخ، لم يُقاوم،
نظر إلى الورقة، ثم إلى الوجوه التي كانت بالأمس تُقبّل يده،
وقال:
“أأُساقط كما تُساقط الأوراقُ اليابسة في آخر الفصول؟”
ثم أمسك القلم،
وكتب اسمه بهدوء، كما تكتب الجبال أسماءها في الجغرافيا… ثم تُنسى في الخرائط الرسمية.
وكتب محمد يحظيه يومها:
“لم يكن توقيعًا على ورقة، بل كان ختمًا على شهادة نهاية مرحلة، أُعلن فيها موت الأب المؤسس… دون أن يُشيّعه أحد.”
حين مرض المؤسس،
أداروا وجوههم نحو المستقبل، وكأنّ الماضي لعنة.
تركوه في ظلال النسيان، لأنهم ظنوا أن الكبار إذا تعبوا،
يجب أن يُوارَوا كما تُوارى الوثائق التي تَحرج اللحظة الراهنة.
واليوم…
تُكرَّر المأساة بتقنيةٍ جديدة، لكن بروح قديمة:
حاكمٌ سابق يتألّم بصمت،
ولا أحد في الحاشية يجرؤ أن يقول: وجعه وجعُنا، وتقصيرُنا عارٌ على الجميع.
ما بين المختار وعزيز…
طريق طويلة من الإنجاز والأخطاء،
لكنَّ خطأ السلطة واحد:
أنها تتخلّى عمّن خدمها، وتُنكر ماضيها كلما تغيّر رأس الهرم.
فيا من تُديرون الوجع ببيروقراطية…
تذكّروا:
إذا سَقَطَتْ رموزُ القومِ مرضى…
فذاكَ وجعُ أوطانٍ، لا أَشخاصِ.
فاعذروني إن بدوتُ هشًّا أمام الظلم…
فما زلتُ أضعفَ من أن أرى رجلاً يُهان ولا أصرخ.
— رسائل الوريث – محمد يحظيه
