
بنشاب : قد يوحي عدد البنوك العاملة في موريتانيا بوجود قطاع مصرفي متنوع، إلا أن هذا المؤشر لا يكفي للحكم على فعالية النظام المالي. فاليوم يضم القطاع المصرفي الموريتاني نحو سبعة عشر بنكًا؛ يقارب نصفها مرتبطًا برأسمال أجنبي، بينما تعود ملكية جزء آخر إلى بنوك عائلية أو إلى رجال أعمال محليين.
غير أن المسألة الأساسية لا تتعلق بعدد البنوك بقدر ما تتعلق بطبيعة الدور الذي تؤديه داخل الاقتصاد. فالبنك، في النظرية الاقتصادية وفي فلسفة التنظيم المالي، لا يُرخَّص له لمجرد ممارسة التجارة بالمال، بل لكي يؤدي وظيفة محددة تتمثل في تجميع المدخرات، وتوجيه الائتمان نحو الاستثمار المنتج، وتمويل الاقتصاد الحقيقي.
غير أن الواقع في كثير من الاقتصادات الصغيرة يكشف ظاهرة مختلفة. فبعض البنوك لا تعمل كمؤسسات مالية تخدم الاقتصاد الوطني بقدر ما تتحول إلى امتداد للنشاط التجاري لمالكيها. في هذه الحالة يصبح البنك أقرب إلى خزينة للنشاط التجاري: أداة لتأمين السيولة وتسهيل العمليات المرتبطة بالتجارة الخاصة، ودعم شبكة اقتصادية محدودة تدور حول العائلة أو المجموعة التي تملكه.
في الأدبيات الاقتصادية يُشار إلى هذا النمط أحيانًا بمفهوم “المصارف المقيدة” (Captive Banks)، حيث يفقد البنك وظيفته الأساسية كوسيط مالي بين المدخرين والمستثمرين، ويتحول إلى أداة لإدارة سيولة مجموعة اقتصادية محددة.
ولا يقتصر أثر هذا النموذج على إضعاف تمويل الاقتصاد فحسب، بل يمتد أيضًا إلى مخاطر تتعلق بالاستقرار المالي. فعندما يتركز جزء كبير من القروض داخل الشبكة الاقتصادية المرتبطة بمالكي البنك، يظهر ما يعرف بـ “تركّز الانكشافات”. وفي هذه الحالة يصبح مصير البنك مرتبطًا مباشرة بمصير النشاط التجاري الذي يموله؛ فإذا تعرض هذا النشاط لأزمة أو تعثر مفاجئ، فإن الخطر لا يقتصر على المؤسسة التجارية وحدها، بل قد ينتقل إلى البنك نفسه، ومنه إلى المودعين وإلى النظام المالي الأوسع، مسببًا ما يُعرف بـ المخاطر النظامية.
ولهذا تشدد قواعد الحوكمة المصرفية في الأنظمة المالية الحديثة على الفصل الصارم بين ملكية البنك وإدارة مخاطره، وعلى منع تحول المؤسسة المصرفية إلى أداة لتمويل نشاط مالكيها، لأن ذلك يهدد كفاءة تخصيص رأس المال ويؤثر في استقرار الاقتصاد بأكمله.
وهنا يظهر التناقض البنيوي بوضوح: فالمؤسسة التي مُنحت الترخيص لكي تكون وسيطًا ماليًا يخدم الاقتصاد بأكمله قد تتحول عمليًا إلى مؤسسة تمويل خاصة تخدم دائرة ضيقة من المصالح.
في الاقتصادات الحديثة يشكل النظام المصرفي إحدى الآليات الأساسية التي تسمح بتوسع الطبقة المتوسطة وتطور القطاع الخاص. فالبنوك، عندما تؤدي دورها الطبيعي، تقوم بتحويل المدخرات الفردية إلى استثمارات إنتاجية، وتوفر التمويل للأسر المتوسطة لاقتناء الأصول الأساسية مثل السكن، كما تتيح لرجال الأعمال المستقلين والشركات الصغيرة والمتوسطة الوصول إلى رأس المال اللازم لتوسيع أنشطتهم. وبهذه الطريقة يسهم القطاع المصرفي في توسيع قاعدة النشاط الاقتصادي وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
غير أن هذا الدور يتراجع عندما يتركز الائتمان داخل شبكات اقتصادية محدودة. ففي هذه الحالة يصبح التمويل أقل ارتباطًا بجدوى المشاريع وأكثر ارتباطًا بالعلاقات الاقتصادية القائمة، وهو ما يؤدي إلى إضعاف قدرة القطاع الخاص المستقل على التوسع ويحد من مساهمة الطبقة المتوسطة في النشاط الاقتصادي.
ونتيجة لذلك يواجه القطاع الخاص — خصوصًا رجال الأعمال المستقلين والشركات الصغيرة والمتوسطة — صعوبات كبيرة في الوصول إلى التمويل. فالائتمان يميل إلى الدوران داخل الشبكات المرتبطة بالبنك نفسه بدل أن يتوزع وفق معيار الكفاءة الاقتصادية أو جدوى المشاريع.
وفي الحالات القليلة التي يحصل فيها الفاعل الاقتصادي المستقل على تمويل، يأتي ذلك غالبًا بشروط ثقيلة؛ إذ تُطلب ضمانات مرتفعة مقارنة بحجم القرض، بينما يبقى التمويل محدودًا قياسًا إلى قيمة الأصول المقدمة كضمان، إضافة إلى معدلات فائدة مرتفعة تعكس ضعف الثقة وغياب آليات مستقلة لتقييم المخاطر.
وعندما يحدث ذلك يتحول ضعف التمويل إلى قيد بنيوي على النمو الاقتصادي؛ فيتباطأ الاستثمار، ويظل الاقتصاد أسير أنشطة محدودة لا تتوسع بما يكفي.
بهذا المعنى، لا تكشف البنوك في الاقتصادات الصغيرة قوة النظام المالي بقدر ما تكشف طبيعة البنية الاقتصادية التي تعمل داخلها: اقتصاد تحكمه شبكات محدودة من رأس المال التجاري أكثر مما تحكمه مؤسسات مالية مستقلة قادرة على توجيه الموارد نحو التنمية الواسعة.
إن إعادة توجيه النظام المصرفي نحو وظيفته الأصلية تتطلب مسارًا واضحًا يتمثل في تعزيز رقابة البنك المركزي على الأطراف ذات الصلة. ففرض سقوف صارمة للقروض الموجهة للملاك والشركات التابعة، وإلزام البنوك بتنويع محافظها الائتمانية، يعدان من الأدوات الأساسية لمنع تحول المصارف إلى مؤسسات تمويل مغلقة.
وتظهر التجارب الإقليمية، كما في المغرب والسنغال، أن البنوك عندما تعمل وفق منطقها المصرفي الحقيقي وتدعمها أطر تنظيمية حديثة — مثل مكاتب الائتمان وصناديق ضمان القروض — تسهم في توسيع قاعدة التمويل، كما تؤدي دورًا مهمًا في بناء طبقة متوسطة مستقرة ماليًا من خلال تمكين الأسر من الادخار وتملك الأصول والتخطيط الاقتصادي للمستقبل، وهو ما يجعل القطاع المصرفي في هذه الحالات رافعة حقيقية للنشاط الاقتصادي.
وفي الحالة الموريتانية، يكمن التحدي في الانتقال من “ائتمان العلاقات” إلى “ائتمان المشاريع”.
فالمشكلة في النهاية ليست في نقص البنوك، بل في ندرة المؤسسات التي تعمل كبنوك فعلًا. وعندما يصبح الائتمان محكومًا بالولاء بدل الجدوى الاقتصادية، يتحول النظام المصرفي من محرك للنمو إلى مرآة لجمود الاقتصاد.
