
هو رجل تكسّرت على صلابته نبال الخصوم، واستعصمت بظله دولة كانت تتناوشها الأهواء. خرج من رحم الصحراء كالسيف المجرّد من غمده، صقله الزمن بألف معركة خفيّة، حتى غدا صورةً مكتملةً من مزيج العزم والدهاء، والرحمة والشدة.
نشأ في بيئةٍ لا تعترف إلا بالبقاء للأصلب عوداً والأصفى جوهراً، فتشرّب منذ نعومة أظفاره معنى الرجولة في أسمى مراتبها، وحمل همَّ الوطن قبل أن يحمل رتبةً أو وساماً. كان إذا تحدث أصغت له الأسماع كأنها مأمورة، وإذا نهض للفعل ارتجّت الأرض من تحت خطاه كأنها تستجيب لنداء مكتوب في غيب القدر.
لم يكن مجرّد قائدٍ يعلو على الكراسي، في حضوره كانت المخاوف تتقزّم، وفي غيابه تظلّ العيون مترقبة عودته. صوته كالقضاء النافذ، وهيبته كسحابٍ متراكم يخشى الرعد منه قبل أن يُبصر البرق.
ذاك الرجل كان مدرسةً في الجمع بين الحزم والعدل، بين سكينة الأبوة وهيبة السلطان، يفتح أبواب الرجاء للضعفاء، ويُغلق نوافذ التسلّط في وجوه الجبابرة. لم يكن يسعى إلى زخرفٍ ولا بريق، بل إلى بناء حصنٍ يُؤوي إليه شعبٌ عطشان للكرامة، وجريح من غدر الأيام.
رحل عن الكرسي، لكنه لم يرحل عن القلوب. فما زالت الذاكرة الشعبية تحفظ ملامحه كما تحفظ الواحات شذا المطر، وما زالت سيرته تُروى في المجالس بلسان مَن عرفوا الفرق بين رجلٍ عابرٍ على سطور التاريخ، ورجلٍ صار هو التاريخ ذاته.

