
بنشاب : ليس أعجبَ في الأزمنة المضطربة من صمتٍ متعمَّدٍ يُلبس ثوبَ النسيان، ولا أغربَ من ضجيجٍ يُصطنع ليحجبَ ما لا يُراد له أن يُرى. فكم من حقيقةٍ وقفت شامخةً فلم تجد قلمًا ينصفها، وكم من موقفٍ عظيمٍ عبرَ الساحات ثابتًا فلم تُشر إليه عناوين الأخبار، لأنّ بعض المنابر لا تكتب ما يقع، بل ما يُراد له أن يقع.
وفي هذا المشهد الملتبس، ينهض أنصار الرئيس محمد ولد عبد العزيز كحكايةٍ عصيّةٍ على الطمس، رجالًا لم تُربكهم العواصف، ولم تُغوهم عزلة الطريق، بل جعلوا من الوفاء منهجًا، ومن الصبر بيانًا، ومن الثبات لغةً لا يفكُّ رموزها إلا أرباب الفصاحة وأهل البصيرة.
إنّ الذين يخرجون اليوم طلبًا لمطلبٍ عابرٍ قد تلتقطهم العدسات سريعًا، لأنّ الحدث السريع يُشبه زمن السرعة؛ أما الذين ثبتوا سنواتٍ على موقفٍ واحد، يحملون قضيةً يرونها عدلًا ووفاءً، فهؤلاء لا تُجيد بعض المنصات قراءتهم، إذ إنّ الثبات الطويل لا يُناسب منطق الخبر العابر.
أنصار الرئيس محمد ولد عبد العزيز لم يكونوا احتجاج لحظةٍ، بل صبر مرحلة؛ لم يرفعوا أصواتهم طلبًا لوهجٍ إعلامي، بل حملوا قناعاتهم كمن يحمل أمانةً تاريخية. وقفوا في ساحاتٍ لا تحرسها الكاميرات، ورددوا مواقف لا تُكتب بالحبر السريع، لأنّها كُتبت أولًا في ضمير الإيمان بالموقف.
وعلى رأس هؤلاء، يبرز كريم الشيكر ، رجلٌ لم يجعل من الكلمة زينة خطاب، بل جعلها عهدًا لا يُنقض. مضى في طريقٍ وعرٍ، حيث تتكاثر التأويلات وتضيق المسالك، لكنه ظلّ ثابت الخطو، كأنّما أدرك أن الرجال الحقيقيين لا يُقاسون بعدد المتابعين، بل بقدرتهم على الثبات حين ينفضّ الجمع.
فلماذا صمتت الوسائل الإخبارية البشمركية؟
لأنّ الإعلام — حين يفقد حياده — لا يرى إلا ما ينسجم مع مزاج اللحظة. ولأنّ الوقفات السلمية الطويلة التي يواصلها أنصار الرئيس محمد ولد عبد العزيز لا تُغذّي منطق الإثارة السريعة، فهي مواقف تحتاج عقلًا يتأمل لا عينًا تبحث عن العنوان العاجل.
إنّ تجاهل هذه الوقفات لم يُلغِها، بل كشف المفارقة الكبرى: فكلما صمتت المنابر، ارتفع المعنى؛ وكلما غاب الخبر، حضر التاريخ. فالأحرار لا ينتظرون شهادة الإعلام، لأنّ شهادتهم تُكتب في ذاكرة الشعوب لا في أرشيف المواقع.
وهكذا صار المشهد مفارقًا: مواقعٌ تكتب عن احتجاجٍ يولد صباحًا ويموت مساءً، وتعجز عن كتابة حكاية رجالٍ ظلوا سنواتٍ يطالبون — بوسائل سلمية — بما يرونه رفعًا للظلم وإنصافًا لرجلٍ يعتبرونه رمزًا وطنيًا.
يبقى أنصار الرئيس محمد ولد عبد العزيز، وفي مقدمتهم كريم الشيكر، مثالًا لمدرسةٍ نادرةٍ في زمن التقلب؛ مدرسةٍ تؤمن بأن الوفاء لا يخضع لمواسم الإعلام، وأن الموقف الحق لا يحتاج ضوءًا ليبقى مضيئًا.
فإذا تجاهلتهم المواقع الإخبارية البشمركية، فإنّ الزمن لا يتجاهل الثابتين، وإذا صمتت الأخبار، فإنّ التاريخ يتكلم — بصوتٍ أعمق وأبقى — ليقول إن الرجال الذين ثبتوا حين تبدّل غيرهم، هم وحدهم الذين تُكتب أسماؤهم حيث لا يصل النسيان.

