سقوط الهالة وصناعة الظل: السلطة بين طهارة متخيَّلة ومؤامرة مُؤلَّهَة

جمعة, 13/02/2026 - 19:53
محمد لغظف محمدالأمين أبتي

بنشاب : لم تعد قضية جزيرة إبستين مجرد فضيحة أخلاقية عابرة، بل تحوّلت إلى مرآة كاشفة لبنية عميقة في وعينا الإنساني والسياسي. فهي لم تفضح الأجساد وحدها، بل فضحت نظرتنا نحن إلى السلطة، وإلى من يتصدّرون المشهد العالمي. لقد كشفت هشاشة الصورة التي صنعناها عن القادة بوصفهم كائنات متعالية عن الغريزة، محصّنة من الشهوة، وكأن المال والسلطة يخلعان على الإنسان طهارة إضافية. وفي اللحظة نفسها، فتحت الباب أمام سؤال أكثر رعبًا: هل ما نراه انحرافات فردية، أم أننا أمام هندسة خفية للسلطة، تُدار عبر شبكات ابتزاز، ويُمسَك فيها القادة من نقاط ضعفهم؟

هذا السؤال لم ينشأ من فراغ، بل من صدمة الوعي حين تسقط الهالة. فالإنسان، كما يبين علم النفس الاجتماعي، لا يحتمل الفراغ التفسيري. حين نكتشف أن القائد ليس ملاكًا، نبحث فورًا عن تفسير بديل يحفظ للنظام معناه. فإذا لم يعد القائد طاهرًا، فلا بد — في اللاوعي الجمعي — أن يكون مُسيَّرًا. هكذا ننتقل، في قفزة واحدة، من تقديس القائد إلى تقديس “الطرف الخفي”. يشرح كارل يونغ هذا الميل بوصفه حاجة نفسية إلى “النظام الرمزي الكامل”، حيث يبدو العالم — مهما كان مظلمًا — منظمًا لا عبثيًا. ومن هنا تصبح نظرية المؤامرة، في أحد أوجهها، لغة نفسية لمقاومة الفوضى، لا مجرد كذب ساذج.

غير أن هذا التحليل النفسي لا يبرّئ الواقع السياسي. فالتاريخ الحديث نفسه يقدّم شواهد مقلقة على أن السلطة لا تُمارَس فقط بالقوانين والمؤسسات، بل بإدارة الرغبات ونقاط الضعف. ميشيل فوكو يؤكد أن القوة الحديثة تعمل عبر الأجساد، عبر المعرفة الدقيقة: من يخطئ؟ من يشتهي؟ من يخاف الفضيحة؟ هنا يصبح الجسد وثيقة سياسية، وتتحول الفضيحة إلى أداة حكم ناعمة، أكثر فاعلية من القمع المباشر. وحين نضيف إلى ذلك تحليلات علم النفس السلوكي حول المال والسلطة، تتضح الصورة أكثر: النفوذ لا يخلق الفساد فقط، بل يخلق قابلية الابتزاز. فكلما ارتفعت مكانة الفرد، ارتفعت كلفة سقوطه، وكلما تضخّم الرصيد الرمزي، أصبحت نقطة الضعف أثمن.

في هذا السياق، لا تبدو جزيرة إبستين مجرد مكان، بل رمزًا مكثفًا لتقاطع المال، الشهوة، السلطة، والصمت. ومع ذلك، فإن اختزال الأمر في “مؤامرة كبرى” ذات عقل مدبّر واحد ليس إلا وجهًا آخر للتبسيط. زيغمونت باومان يصف عالمنا بأنه “سائل”، بلا مركز واحد، تحكمه شبكات مصالح متداخلة لا هرمًا صارمًا. الابتزاز هنا ليس مخططًا شيطانيًا شاملًا، بل آلية عمل داخل نظام غير أخلاقي، يحمي نفسه بالفضيحة المتبادلة، ويضمن الصمت بالخوف.

الخطير في نظرية المؤامرة ليس طرحها للسؤال، بل يقينها المغلق. حين نؤمن بوجود فاعل خفي مطلق القدرة، نعفي أنفسنا من التفكير البنيوي، ونحوّل الشر إلى كيان غامض، بدل أن نراه موزعًا بين أنظمة، ومؤسسات، وأفراد، وجماهير صامتة. حنّة آرندت حذّرت من هذا الوهم حين تحدثت عن “تفاهة الشر”: الشر لا يحتاج دائمًا إلى شيطان عبقري، بل إلى بشر عاديين، ومصالح، وطاعة، وخوف من الفضيحة.

وهنا يلتقي هذا التحليل بالفهم القرآني العميق للإنسان والسلطة. فالقرآن لا ينفي وجود المكر ولا يبرّئ القوة من الفساد، لكنه يرفض تحويل الشر إلى أسطورة كونية تُسقِط المسؤولية عن الإنسان:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ﴾.

الشر موجود، لكنه متعدد، غير مركزي، ولا يعفي أحدًا من المحاسبة. كما يحذّر القرآن من الانبهار بالقوة، سواء كانت ظاهرة أو خفية:

﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.

فالغرور هنا ليس غرور السلطة وحدها، بل غرور التفسير السهل الذي يريح الضمير.

وفي السنة النبوية يتأكد هذا الميزان الأخلاقي بوضوح:

«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».

حتى لو وُجد ابتزاز، وحتى لو وُجد ضغط، فإن القابل له شريك فيه. المسؤولية لا تُلغى بوجود المؤامرة، بل تتأكد.

ومن موقعي الشخصي، أرى أن أزمة وعينا اليوم تتجلى في هذا التذبذب الحاد بين سذاجتين: سذاجة التقديس، وسذاجة الشيطنة. مرة نرفع القادة إلى مرتبة الملائكة، ومرة نختزلهم في دمى بلا إرادة. وفي الحالتين نهرب من الحقيقة الأصعب: أن السلطة بنية بشرية، وأن المال فتنة، وأن الفساد احتمال دائم، وأن الصمت الشعبي جزء من المعادلة.

إن أخطر ما في تحويل فضائح مثل إبستين إلى “مؤامرة كبرى” هو أنها قد تعيد إنتاج الهالة بشكل مقلوب؛ فبدل تقديس القائد، نقدّس الظل، ونمنحه قدرة شبه إلهية. بينما النقد الحقيقي — الأخلاقي والفلسفي — يسلك طريقًا آخر: تفكيك البنى، كسر الهالات، ورفض عبادة الأشخاص والظلال معًا.

في النهاية، ما نحتاجه ليس إنكارًا ساذجًا للابتزاز، ولا إيمانًا أعمى بالمؤامرة، بل وعيًا نقديًا مركّبًا: يعترف بشبكات المصالح، ويحاسب الأفراد، ويكسر قداسة السلطة، ويرفض اختزال العالم في شيطان واحد. عندها فقط نفهم أن سقوط القادة لا يعني نهاية الأخلاق، بل قد يكون بدايتها… إذا امتلكنا شجاعة السؤال، ورفضنا أن نعبد الهالة أو الظل.