
بنشاب : حين تُختَبَرُ الرجالُ في مواطن الاشتباه، يتمايز الجوهر عن القشرة، وتتكشّف القيمُ بلا زينة. وفي التجربة الموريتانية ينهض اسمُ محمد ولد عبد العزيز بوصفه حضورًا اقترن بالمسؤولية الثقيلة، وبالموقف الذي لا يقبل الالتواء. رجلٌ من طينة الكبار، أصيلٌ ابنُ أصيل، صاغته التجربةُ صلابةً، وصقلته المحنةُ وضوحًا.
لم يرضَ أن يندرج في صفوف المفسدين ولا أن يساير المنافقين، ولم يقبل أن تُداس الأمانة باسم التوافق، أو أن يُستباح المال العام بذريعة الأعراف. كانت مشكلته — كما شهدت الوقائع — أنه اختار المواجهة حيث يُفضِّل غيره المداراة، وأنه جعل من الدولة ميزانًا يُحتكم إليه لا غنيمةً تُتقاسم. فظلّ ثابتًا على خطٍّ واحد، لا يُبدِّل جلده، ولا يُزيِّن قراره بما يُرضي اللحظة.
شموخه ليس ادّعاءً، بل هيئةُ رجلٍ يعرف أين يضع قدمه، ونبله سلوكٌ يسبق العبارة. آثر البقاء بين أهله، معتبرًا الوطن عهدًا لا يُستبدَل، ومقامًا تُصان فيه الكرامة بالفعل. تحمّل كلفة الطريق لأن حماية المعنى عنده أولى من سلامة الصورة، فكانت تضحياته فعلًا يوميًا، لا حكايةً تُروى عند الحاجة.
واجه شبكات العبث بالمال العام بعزمٍ لا يلين، لأن العدالة إذا لانت اختلّ الميزان، وإذا اختلّ ضاع الحقّ. لم يُجامِل، ولم يُداجِن، ولم يُقايِض، بل أمضى قراره حيث تقتضي المصلحة العامة، وترك للحقائق أن تتكلم بسطوعها. ومن هنا ستتداول الأجيال قصته لا على أنها مدحٌ عابر، بل بوصفها درسًا في أن القيادة تُقاس بما تحميه من قيم، وبما تُقيمه من نظام.
يبقى محمد ولد عبد العزيز علامةً في الذاكرة الوطنية، لأن الثبات حين يعزّ، والنبالة حين تُختَبَر، والاستقامة حين تُكلِّف، لا تصدر إلا عن معدنٍ نادر. تلك سيرةُ رجلٍ اختار أن يحرس الدولة من العبث، وأن يدفع ثمن الموقف كاملًا، وأن يظلّ قائمًا على مبدأه؛ فاستحقّ أن يُذكر بوصفه شاهدًا على زمنٍ انتصر فيه المعنى على الإغراء، وبقي فيه الأثر شاهدًا لا يبهت.
من ص/ brahim abdellahi
