حين يُمتحَن الضمير العام في ميزان المرض و السلطة

سبت, 10/01/2026 - 21:28

بنشاب : ليست الدولة جهازَ قوةٍ فحسب، بل كيانَ قيمةٍ تُعرَف عند اشتداد العارض وانكشاف الهشاشة. وفي اللحظات التي يتراجع فيها الجسد، يتقدّم السؤال الأخلاقي ليحاكم الفعل السياسي: هل يظلّ القانون سيّدًا، أم تنفلت الإرادة إلى منطق الغلبة؟ من هنا يطلّ ملفّ محمد ولد عبد العزيز، لا بوصفه خبرًا عابرًا، بل باعتباره امتحانًا لهيبة الدولة حين تُقاس بالعدل لا بالشدّة.

إنّ ما أُثير حول العزل الانفرادي والوضع الصحي للرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز يفتح بابًا لا يُغلَق بالإنكار ولا يُسدّ بالصمت. فالدولة، إذا ما أدارته بمنطق الانتقام، تُفرّغ القانون من معناه، وتستبدل الإنصاف بنشوة التشفي. أمّا إذا صانته بروحٍ إنسانيةٍ منضبطة، فإنها تُعيد الاعتبار لمبدإٍ أرسخ: أنّ العدالة لا تُخاصم الرحمة، وأنّ السلطة لا تكتمل إلا حين تضبط نفسها.
لقد نُقل عن دوائر مختلفة—قريبة وبعيدة—قلقٌ صامتٌ لا يبتغي اصطفافًا سياسيًا، بل يتحسّب لانزلاق الخصومة إلى مسالك تمسّ كرامة الإنسان. وهذا القلق، في جوهره، شهادةٌ على أنّ المجتمع لا يقبل أن تُدار المحاسبة خارج سياق الأعراف الراسخة التي تُعلي الوصل وتصون الزيارة وتمنح المرض حقّه. فحين يُضيَّق التواصل مع محمد ولد عبد العزيز، لا يُساء إلى فردٍ وحده، بل يُخدَش نسيجٌ اجتماعيٌّ تعلّم أن الخلاف لا يقطع الرحم ولا يُغلق الأبواب.
وعلى الضفة المالية، يظلّ السؤال أوسع من اسمٍ واحد، وأعمق من واقعةٍ بعينها. فمحاربة الفساد لا تُقاس بارتفاع الشعارات، بل بوضوح الحصيلة: ما الذي استُرجِع؟ وكيف أُنجزت المساءلة؟ وأين تقف المؤسسات من تفكيك منظومةٍ كاملة؟ إنّ تحميل محمد ولد عبد العزيز وحده وزر شبكةٍ معقّدة يُريح الخطاب ويُربك الحقيقة؛ إذ الحقيقة تطلب ميزانًا شاملًا، وبيانًا شفافًا، ومسؤوليةً موزّعة بقدر الوقائع.
وفي كلّ ذلك، يبقى الاسم حاضرًا لا ليثقل المشهد، بل ليكشف المعنى: محمد ولد عبد العزيز بوصفه عنوانًا لملفٍّ ينبغي أن يُدار بعقلٍ بارد، ومحمد ولد عبد العزيز بوصفه إنسانًا لا تُسقِط الخصومة حقّه في العلاج، ومحمد ولد عبد العزيز بوصفه اختبارًا لقدرة الدولة على الفصل بين المحاسبة والانتقام.

إنّ رفع القيود عن الزيارة، وإعلان الحقيقة الصحية كاملة، وتمكين العلاج المختصّ متى ثبتت الحاجة، ليست تنازلاتٍ عن القانون، بل ترسيخٌ له. بها تُصان كرامة الدولة قبل كرامة محمد ولد عبد العزيز، وتُستعاد ثقة المواطن في مؤسساتٍ تعرف أنّ العدالة لا تُنجِز رسالتها إلا إذا اقترنت بالإنصاف. هكذا وحده ينجح الامتحان: دولةٌ تحاسب بلا هوى، وتُداوي بلا منّة، وتُقيم الحقّ حيث ينبغي أن يُقام.

Brahim abdellahi