
بنشاب : ليس الألم — حين يُروى — حكاية جراحٍ تُحصى، ولا سجلاً لوقائع تُستنسخ، بل هو معنى إذا نطق استحال سؤالاً أخلاقياً، وإذا صمت صار اتهاماً معلَّقاً في ذمة الزمن. وفي تاريخ الأمم لحظاتٌ لا تُقاس بما جرى فيها، بل بما سُكِت عنه خلالها؛ إذ الصمتُ قرينُ الرضا حيناً، وشقيقُ العجز حيناً، لكنه — في كل الأحوال — شاهدٌ لا يموت. ومن هذا الأفق الملتبس تُقرأ محنة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، لا بوصفها سيرة فردٍ تقاذفته المقادير، بل باعتبارها مرآةً لامتحانٍ عامٍّ طال الضمائر قبل أن يطال الأجساد، وابتلى القيم قبل أن يبتلي الأشخاص.
أولاً: الاسم حين يصير عبئاً، والذاكرة حين تُستهدف
للأسماء أثقالٌ إذا وُضِعت في ميزان السياسة انقلبت رموزاً، وللرموز خصوماتٌ لا تُدار بالمنطق وحده، بل تُدار بشهوة الإلغاء. وقد غدا اسم محمد ولد عبد العزيز — في هذا السياق — أكثر من تعريفٍ مدنيّ؛ صار عنواناً لمرحلة، ومخزوناً لرهاناتٍ مؤجلة، فاستُدعي إلى ساحة الاستهداف لا بما هو، بل بما يُراد له أن يُمثِّل. وهنا تبدأ المأساة: حين تُخاصَم الذاكرةُ لا لتصحيحها، بل لكسرها، وحين يُحاكِم الخصمُ خصمَه لا ليبلغ الحق، بل ليبلغ الغلبة.
ثانياً: الألم بوصفه واقعةً صامتة
الألم — في تجليه الإنساني — حقيقة لا تحتاج إلى بيان، غير أن إنكارها يحتاج إلى قسوةٍ مُركَّبة. وما تعرّض له محمد ولد عبد العزيز من معاناةٍ صحيةٍ موثقة، وتفاقمٍ جسديٍّ معلوم، ليس مادةَ استدرارٍ للعواطف، بل قرينةُ امتحانٍ أخلاقيّ: أيتقدّم الحقُّ في العلاج على منطق الخصومة؟ أم يُضحّى بالجسد على مذبح الرسائل السياسية؟
إن الألم حين يُدار كأداة، وحين يُترك ليستفحل بلا مقتضى، يتحوّل من واقعةٍ طبية إلى مسألة عدالة، ومن شأنٍ فرديٍّ إلى وصمةٍ عامة.
ثالثاً: الاستهداف حين يلبس ثوب الإجراء
ليست كل الإجراءات عدلاً، كما ليست كل القوانين حقاً؛ فالعدل روحٌ إذا فارقت النصَّ صار النصُّ قناعاً. والاستهداف — حين يُغلَّف بالإجراء — يُحسن التنكّر، لكنه لا يُحسن الإقناع. ذلك أن العدالة لا تُعرَف بصرامة الشكل وحده، بل بتوازن المقصد، ولا تُقاس بحدّة الخصومة، بل بنقاء المسافة بين الخصم والحكم.
وفي هذا المنعطف، يتراءى الاستهداف لا بوصفه محاسبةً خالصة، بل كمسارٍ مشوبٍ بالانتقائية، حيث تُستدعى الشدة حين يُراد الإيذاء، ويُستدعى الصمت حين يُطلب التجاوز.
رابعاً: صمت العلماء والأئمة… حين تتراجع الكلمة
للمنابر وظيفةٌ تتجاوز الطقوس؛ إنها مقامُ البيان عند اختلاط المعايير. فإذا صمت العلماء والأئمة عن وجعٍ بيّن، وظلمٍ محتمل، فقد صمتت الكلمةُ في موضعها، لا لخفاء الدليل، بل لثقل الكلفة. وليس المطلوب منهم خصومةَ سلطان، ولا منازعةَ قضاء، بل إقامة ميزان القيم: أن يُقال إن للإنسان حرمةً لا تُمس، وللمريض حقاً لا يُؤجَّل، وللعدالة شرطاً لا يُستغنى عنه، هو الرحمة.
وحين تُؤثِر المنابر السلامة على الشهادة، يتيتّم المعنى، ويُستوحش الحق.
خامساً: المنظمات الحقوقية… الغياب الذي يثير السؤال
أما المنظمات الحقوقية، فإن رسالتها — إن لم تُمارَس عند الشدة — صارت لافتةً بلا طريق. فالحقوق لا تُنتظر حتى يهدأ النزاع، ولا تُقاس ببرودة اللحظة، بل تُستدعى حيث يحتدم الخلاف، لأن هناك تحديداً تُختبر استقلاليتها.
والسكوت هنا ليس فراغاً؛ إنه موقفٌ مُضمَر، يُثقِل السجلَّ حين يُراجَع، ويُضعِف الثقة حين تُستعاد الذاكرة.
ليست هذه الكلمات مرافعةً لشخص، ولا نشرةَ اتهامٍ لجهة، بل تذكيرٌ بأن العدالة إذا نُزِعت عنها إنسانيتها صارت قسوةً منظَّمة، وأن السياسة إذا انفصلت عن الأخلاق تحوّلت إلى إدارةٍ للأذى. إن محنة محمد ولد عبد العزيز — بما انطوت عليه من ألمٍ واستهدافٍ وصمت — تضع الجميع أمام سؤالٍ واحد لا مهرب منه: أيُّ تاريخٍ نكتب حين نُبرِّر الصمت، وأيُّ دولةٍ نبني حين نُؤجِّل الرحمة؟
فالتاريخ لا يحفظ الوقائع وحدها، بل يحفظ المواقف، والذاكرة لا تُدان بما جرى فيها فحسب، بل بما تُرك ليجري بلا كلمة.
من ص/ المدون brahim abdellahi
