حين يختبر العدلُ ضميرَه : في الحالة الصحية للرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز

ثلاثاء, 06/01/2026 - 17:54

بنشاب : ليست الأخبار التي تُتلى على الأسماع سواءً في أثرها ولا في دلالتها؛ فبعضها يمرّ مرَّ السحاب، وبعضها يستقرّ في الوجدان لأنه يمسّ جوهر الإنسان قبل أن يطال الشأن العام. وما ورد عن الوضع الصحي للرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز من توصيفٍ مهنيٍّ صادرٍ عن هيئة دفاعه، لا يندرج في باب الجدل السياسي، بل يقوم في صميم الحقّ الإنساني الذي لا يعلوه اختلاف، ولا يحدّه خلاف.

يُجمع البيان الصادر عن منسق هيئة الدفاع، المحامي محمدن اشدو، على توصيفٍ دقيقٍ لحالةٍ صحيةٍ مقلقة، تُضاف فيها الوقائع إلى الوقائع، دون تهويلٍ ولا تزيين. حمى شديدة ذات أعراضٍ أخرى، تفاقمٌ لأمراضٍ متعددة، توصياتٌ طبيةٌ سابقةٌ غير منفّذة، وبيئةُ احتجازٍ انفراديةٌ طويلةُ الأمد في ظروفٍ قاسية؛ عناصرُ إذا اجتمعت، لم تترك مجالاً للتأويل ولا فسحةً للاستخفاف.
إنّ زيارة الطبيب المتكررة، وتقديم العلاج المتاح، وإن كانت واجبةً في أصلها، فإنها لا تُغني عن جوهر المسألة: الحاجةُ إلى علاجٍ تخصصيٍّ لا يتوفر في موضع الاحتجاز، وإلى إجراءٍ جراحيٍّ معقّدٍ أوصى به الأطباء منذ زمن، في مصحةٍ متخصصةٍ خارج البلاد. هنا تتكشّف الحقيقة الساطعة: العلاج المتاح ليس هو العلاج اللازم، والوقت ليس في صالح جسدٍ أثقله المرض وتقدّم العمر، وزادته العزلة وطأةً.
وليس في هذا القول مزايدةٌ على واقعٍ معلوم، ولا استدعاءٌ للعاطفة بغير حق؛ بل هو توصيفٌ يتكئ على شهادةٍ مباشرة، وتقريرٍ طبيٍّ، ومعاييرَ إنسانيةٍ وقانونيةٍ مستقرة. فالسجن، أيّاً كانت أسبابه، لا يُسقط حقّ الرعاية الصحية، ولا يبرّر تأخير العلاج حين تتأكد ضرورته، ولا يجيز تعريض الحياة لمخاطر يمكن تلافيها بقرارٍ مسؤول.

إنّ الامتحان الحقيقي للدول لا يكون في قدرتها على إنزال العقوبة فحسب، بل في التزامها بحدود العدل وهي تُمارس سلطتها. والحالة الصحية للرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، كما وُصفت، تضع الجميع أمام مسؤوليةٍ واضحة: الإسراع برفعه لتلقّي العلاج المتخصص في بيئةٍ آمنة، امتثالاً لتوصيات الأطباء، وصوناً لحقٍّ إنسانيٍّ لا يقبل التأجيل. فالتاريخ لا يسجّل الوقائع وحدها، بل يسجّل أيضاً كيف أُديرت، ومن أيّ بابٍ دخلها الضمير.

من ص المدون / Brahim abdellahi