
بنشاب : لم تكن مدينة وادان مجرّد حاضرة علمية يقصدها الطلاب والرُّحَّل، ولا محطة قوافل تعجّ بالعلم والتجارة فحسب، بل كانت كذلك مدينة مُحصَّنة بعقلٍ أمنيّ متقدّم سبق زمنه، ووعي جماعي جعل من الدفاع عن الأرض والعِرض جزءًا لا يتجزأ من هوية المجتمع.
ينتهي شارع الأربعين عالمًا عند منحدرٍ صخريٍّ وعر، شُقّت فيه طريقٌ ضيّقة تُعرف بـ «وكيّه»، تنتهي ببابٍ خشبيٍّ شديد المتاريس يُسمّى باب وكيّه. لم يكن هذا الباب مجرّد ممرّ، بل كان نقطة سيطرة استراتيجية، تؤدّي إلى المزارع والبطحاء وواحات النخيل في الأسفل، وتلتحم بالسور الخارجي للمدينة التحامًا يجعل من اختراقها أمرًا بالغ الصعوبة.
وكان يُغلق باب وكيّه بإحكامٍ شديد، لا يُفتح إلا بإذنٍ ومعرفة، تأمينًا كاملًا ضد أي دخيل غير مرغوب فيه. ومن هذا المنحدر ذاته، يمتد الطريق إلى بئر وادان المحصّنة، المصدر الحيوي للماء، والتي لم تُترك يومًا عرضة للغزو أو التخريب.
● بئر محصّنة… وعقل أمني متقدّم
لم تأتِ تسمية بئر وادان بـ«المحصّنة» عبثًا؛ فقد وُضعت حولها خطة دفاعية معقّدة تقوم على سلسلة من المصائد، والمطبات التمويهية، والمسالك المضلِّلة، بحيث يستحيل على غريب أن يصل إليها سالمًا دون أن يقع في أيدي الحراس. وحده ابن المدينة، أو من كان مدعومًا ومأذونًا له، يستطيع تجاوز تلك الطبقات الأمنية.
هذا المستوى من التحصين لم يكن استثناءً، بل جزءًا من منظومة شاملة لحماية المدينة، جعلت من وادان مضرب مثل في الأمن والاستقرار، حتى شاع القول المأثور: «شَعْلِيكْ يَوَدانْ مِنْ عَيْطَتْ اعْكَابْ اللّيْلْ»
في إشارة إلى أن المدينة آمنة حتى في أحلك ظروف الخوف، وأن من احتمى بها فقد ضمن السلامة.
● الحايط… جدار يتجاوز بحرارته الرجال الأشداء
كان سور وادان – أو «الحايط» – أكثر من حجارة مصفوفة؛ كان رمزًا للهيبة، وبنية دفاعية تُرهِق المهاجم قبل أن يلامس أبواب المدينة. تجاوز بحرارته، وصلابته، وارتفاعه، طاقة الرجال الأشدّاء، فكان كافيًا لردع الكثيرين، ومقدّمة لهزيمة كل من حاول الاعتداء.
وعندما حاول المعتدون عبر الأزمنة اختبار صلابة هذا السور، وجدوا أمامهم رجالًا لا يقلّون صلابة عنه؛ رجالًا نشأوا على العلم، نعم، لكنهم لم يتخلّوا يومًا عن الشجاعة والبأس، ولا عن الاستعداد لحمل السلاح دفاعًا عن مدينتهم.
● مجتمع علم… ومجتمع قتال
قد يُخيّل للبعض أن انشغال أهل وادان بالعلم، والفقه، والنسخ، والتدريس، قد أبعدهم عن ميادين القتال، غير أن التاريخ يثبت العكس تمامًا. فقد كان مجتمع وادان مجتمعًا مقاتلًا بقدر ما هو عالم؛ يجمع بين القلم والسيف، وبين المحبرة والمتراس.
دافع أهلها عن مدينتهم دون انتظار عونٍ خارجي، وتصدى رجالها لكل الغزوات والمحاولات العدائية، وانتصروا في جميعها، فاستمرّت وادان آمنة مزدهرة، تنبض بالحياة، والعلم، والتجارة، في زمنٍ كانت فيه المدن تُمحى أو تُنهك بسهولة.
● وادان… ذاكرة أمنٍ ورخاء
هكذا بقيت وادان، بفضل تحصينها، ووحدة أهلها، وشجاعتهم، مدينةً لم تُكسر، ولم تُدنَّس، وظلّت نموذجًا فريدًا لمدينةٍ صنعت أمنها بيدها، وفرضت احترامها على محيطها.
ولعلّ المثل الشعبي لم يكن مجرّد عبارة دارجة، بل خلاصة تجربة تاريخية طويلة، تؤكد أن وادان لم تكن فقط مدينة علم، بل قلعة صامدة، انتصر أهلها في كل اختبار، واستحقّت أن تُذكَر في الذاكرة الجماعية كمدينة أمنٍ ورخاءٍ وعزّة.
تقرير : محمدعبدالرحمن ول عبدالله
كاتب ، وصحفي إجتماعي

