
بنشاب : رسالة اعتقال لبات.. السياسة مباحة للجنرالات ما داموا مع السلطة !
هناك امتعاض كبير داخل المؤسسة العسكرية من الطريقة التي عومل بها الجنرال المتقاعد لبات ولد المعيوف.
ليس لأن الرجل فوق القانون، ولا لأن الجنرالات يجب أن يتمتعوا بحصانة خاصة، بل لأن اعتقاله طرح سؤالًا أخطر من قضيته نفسها:
هل أصبح الجنرال الموريتاني مواطنًا كامل الحقوق بعد خلع البزة العسكرية، أم يبقى جنديًا تحت المراقبة حتى آخر العمر؟
أُوقف لبات ولد المعيوف مساء الأربعاء 26 أغسطس، بعد مواقف سياسية معارضة ودعوة إلى توحيد المعارضة ومقاطعة الحوار. وبحسب حزبه، ظل أيامًا من دون إحالة إلى النيابة، ولم يُسمح لمحاميه وأسرته بالتواصل الطبيعي معه، كما لم تُعلن السلطات للرأي العام، في الأيام الأولى، التهمة المحددة الموجهة إليه.
لكن القضية لا تتوقف عند لبات.
فالرسالة التي قرأها بعض العسكريين والمتقاعدين كانت واضحة: الجنرال يستطيع أن يشارك في الانقلابات، وأن يصل إلى الحكم بقوة السلاح، وأن ينتقل من الثكنة إلى القصر؛ لكنه إذا تقاعد واختار معارضة الحاكم، فقد يصبح صوته جريمة.
وهنا يبدأ القلق الحقيقي.
يتساءل ضباط في مجالسهم الخاصة: إذا كان لبات قد انتهى إلى الاحتجاز بسبب مواقفه السياسية، فماذا ينتظر جنرالات آخرين إذا حاولوا غدًا دخول السياسة من باب المعارضة، لا من باب الموالاة؟
ماذا لو قرر الفريق عبد الله ولد أحمد عيشه، بعد خروجه من الخدمة، تأسيس حزب أو انتقاد السلطة؟ وماذا لو اختار الفريق مسغارو ولد سيدي موقعًا سياسيًا لا يرضى عنه الحاكم؟ وماذا عن بقية الجنرالات الذين سيغادرون المؤسسة تباعًا؟
هل يصبح التقاعد نهاية الخدمة فقط، أم نهاية الحق في الكلام أيضًا؟
هذه المخاوف لم تولد مع اعتقال لبات وحده. فقد سبق للبرلمان أن أجاز قانونًا يمنع العسكريين المتقاعدين من ممارسة أنشطة سياسية محددة، ويضع عليهم قيودًا مرتبطة بواجب التحفظ والسر المهني. ومن المفارقات التي أثارت الجدل أن السلطة القائمة يقودها عسكريون سابقون وصل بعضهم إلى الحكم بعد المشاركة في انقلابات، ثم سُنّ في عهدهم ما يضيّق الطريق السياسي أمام من يأتي بعدهم من العسكريين.
وليس سرًا أن مسغارو ظهر سابقًا في نشاط سياسي داعم للرئيس، ما يعيد السؤال القديم: هل المحظور هو ممارسة العسكري المتقاعد للسياسة، أم ممارسة السياسة خارج الصف الذي تختاره السلطة؟
لسنا هنا ندافع عن لبات، ولا عن حكم الجنرالات، ولا نطالب بأن تتحول الثكنات إلى مقرات أحزاب. بل ندافع عن قاعدة أبسط: ما يجوز للموالاة يجب أن يجوز للمعارضة، وما يُمنع على لبات يجب أن يُمنع على غيره.
أما أن يُسمح للجنرال المتقاعد بأن يصفق، ويُمنع من الاعتراض، فذلك ليس تحييدًا للجيش عن السياسة؛ بل هو اختيار للسياسة التي يُسمح له بممارستها.
إن أخطر ما في اعتقال لبات ليس ما جرى له وحده، وإنما ما قد يفهمه الآخرون منه: أن باب السياسة مفتوح أمام الجنرالات ما داموا يدخلون منه إلى جانب السلطة، فإذا عبروا إلى الضفة الأخرى، أُغلق الباب ووُضع المفتاح في جيب الحاكم.
ولذلك، فإن الخوف اليوم لا يسكن زنزانة الجنرال وحده.
إنه يسكن ثكنات الجنرالات أيضًا.
صالون انواكشوط

