
بنشاب: حين يتحول النظام السياسي، في نظر قطاعات متزايدة من المجتمع، من مصدرٍ مفترض للطمأنينة والاستقرار إلى مصدرٍ للقلق والأسئلة والهواجس، فإن المسألة لا تعود مجرد خلاف عابر بين سلطة ومعارضة، ولا مجرد تباين في تقدير السياسات والبرامج؛ بل تصبح قضية أعمق تتصل بقدرة الدولة على تجديد الثقة، وتصحيح الاختلالات، وإقناع المواطن بأن مؤسسات بلاده تسير في الاتجاه الذي يحمي مصالحه ومستقبل أبنائه.
وفي مثل هذه اللحظات، تصبح فكرة التغيير السلمي الهادئ جزءاً من البحث الطبيعي عن مخرج وطني؛ تغيير لا يستهدف الدولة، ولا يهدد مؤسساتها، ولا يفتح أبواب الفوضى، وإنما يبحث عن إعادة تصحيح العلاقة بين السلطة والمجتمع، وعن استعادة السياسة لدورها بوصفها وسيلة للإصلاح والتداول السلمي، لا أداة لإدامة الأمر الواقع.
فالدولة ليست النظام، والنظام ليس الوطن، والحكومة ليست مؤسسات الجمهورية. وهذه التفرقة ليست ترفاً لغوياً، وإنما هي من أهم قواعد التفكير السياسي الرشيد. إن الدفاع عن الدولة يقتضي أحياناً مساءلة السلطة، كما أن حماية المؤسسات تقتضي رفض تحويلها إلى جدار يحجب الأسئلة المشروعة أو إلى غطاء يحول دون النقد والمحاسبة.
ومن هنا، فإن القلق الحقيقي لا ينبغي أن يُقاس بكثرة بيانات الحكومة، ولا بعدد المشاريع المعلنة، ولا بحجم الحشود التي ترافق المسؤولين في الزيارات، وإنما بما يلمسه المواطن في حياته اليومية: في قوته، ومائه، وكهربائه، وصحته، وتعليمه، وفرص عمله، وأمن مستقبله، وبما يراه من عدالة في توزيع الفرص، وشفافية في إدارة المال العام، واستقلال وفعالية في مؤسسات الرقابة.
وإذا كانت هناك تقارير داخلية أو رسمية ترصد اختلالات في التسيير أو مظاهر للفساد أو ضعفاً في كفاءة الإنفاق، فإن الواجب السياسي والأخلاقي لا ينبغي أن يكون دفن هذه التقارير، ولا تحويل أصحاب الملاحظات إلى خصوم، وإنما التعامل معها باعتبارها أدوات إنذار مبكر للدولة نفسها. فالتقرير الرقابي الذي يكشف خللاً قبل استفحاله أكثر قيمة من تقرير يأتي بعد ضياع المال أو انهيار المشروع أو اتساع الفجوة الاجتماعية.
والأخطر أن تتزامن هذه المؤشرات الداخلية مع ما تقوله المؤسسات الدولية. فصندوق النقد الدولي، في تقريره الصادر سنة 2026، لا ينكر ما تحقق من استقرار اقتصادي وإصلاحات مالية ومؤسسية في موريتانيا، لكنه يضع في المقابل جملة من التحديات الثقيلة: فجوات في الحوكمة والبنية التحتية، محدودية التنويع الاقتصادي، ضعف الإنفاق الاجتماعي وكفاءته، واستمرار معدلات مرتفعة من الفقر متعدد الأبعاد. كما يشدد على أن الإصلاحات لا ينبغي أن تتوقف عند سن القوانين وبناء الأطر، بل يجب أن تنتقل إلى مرحلة التنفيذ الفعلي والنتائج القابلة للقياس.
وهذه نقطة جوهرية ينبغي ألا تمر مرور الكرام.
فالمشكلة ليست دائماً في غياب القوانين، وإنما في المسافة بين النص والتطبيق؛ وليست دائماً في غياب المؤسسات، وإنما في مدى استقلالها وفاعليتها؛ وليست دائماً في نقص الموارد، وإنما في كيفية ترتيب الأولويات وإنفاق الموارد وحماية المال العام من الهدر وسوء التسيير.
وقد أشار صندوق النقد أيضاً إلى أن تعبئة الإيرادات المحلية خارج القطاع الاستخراجي ما زالت ضعيفة، وأن هناك اختلالات تتصل بالإعفاءات الضريبية والإدارة، كما أشار إلى أن ضعف تقييم واختيار وتنفيذ الاستثمارات العامة يحد من كفاءة الإنفاق. وهذه ليست تفاصيل تقنية معزولة عن السياسة؛ إنها في صميم السياسة، لأن المال العام هو في النهاية مال المواطن، وكل أوقية تنفق بلا كفاءة هي فرصة ضائعة في مدرسة أو مستشفى أو طريق أو مشروع منتج.
ثم تأتي المفارقة الأكبر: كيف يمكن لبلد محدود الموارد، شديد الحساسية للصدمات الخارجية، يعاني من حاجات اجتماعية وتنموية واسعة، أن يسمح لنفسه بأن يعيش بعقلية الوفرة في بعض أبواب الإنفاق، بينما يُطلب من المواطن أن يتحمل ارتفاع الأسعار، وضغط المعيشة، وضعف الخدمات؟
في مثل هذه الظروف، يصبح الترشيد أكثر من مجرد توصية مالية؛ يصبح مسؤولية سياسية. ويصبح التقشف، حين تفرضه الضرورة، مقبولاً فقط إذا بدأ من الأعلى، وشمل أوجه الهدر والامتيازات غير الضرورية، ورافقته شفافية كاملة في تحديد الأولويات. أما أن يُطلب من المواطن شد الحزام بينما لا يرى أثراً مماثلاً في إدارة الدولة ومصاريفها، فذلك كفيل بتوسيع فجوة الثقة.
والأرقام الاجتماعية بدورها تستحق التوقف. فقد أشار صندوق النقد إلى أن الفقر متعدد الأبعاد في موريتانيا ظل مرتفعاً، وأن النتائج الاجتماعية لم تتحسن بالقدر الذي يمكن أن يوحي به النمو الاقتصادي ، مع بقاء الإنفاق الاجتماعي منخفضاً ومتذبذباً مقارنة بالدول النظيرة. كما اعتبر تحسين كفاءة الإنفاق الاجتماعي وتوجيهه وتتبع مساراته أمراً أساسياً لتحقيق خفض مستدام للفقر.
وهنا يطرح المواطن سؤالاً مشروعاً: إذا كان الاقتصاد ينمو، فأين يذهب أثر ذلك النمو؟ وإذا كانت الدولة تنفذ برامج إصلاحية، فلماذا لا يتحول أثرها بالسرعة المطلوبة إلى حياة أفضل للمواطن؟ وإذا كانت الموارد العامة محدودة، فلماذا لا تكون الأولوية القصوى للإنفاق الذي يخلق فرص العمل ويحسن الصحة والتعليم والماء والبنية الأساسية؟
أما في ملف مكافحة الفساد، فإن مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية في فبراير 2026، وضع موريتانيا عند 30 من 100، في المرتبة 130 من أصل 182 دولة. وهذا المؤشر يقيس تصورات الخبراء وقطاع الأعمال بشأن فساد القطاع العام، ولا يمثل وحده حكماً قضائياً على حكومة أو مسؤول بعينه؛ لكنه يظل مؤشراً دولياً ينبغي أن يؤخذ بجدية عند تقييم البيئة المؤسسية ومكافحة الفساد.
واللافت أن صندوق النقد نفسه، رغم إشادته باستقرار الاقتصاد وبعدد من الإصلاحات، لا يعتبر ملف الحوكمة منتهياً؛ بل يضع ضمن أولويات المرحلة المقبلة تعزيز مكافحة الفساد والشفافية والمساءلة، وتحسين حوكمة المؤسسات والشركات العمومية، وتشديد الرقابة على المخاطر المالية المرتبطة بها.
وهنا تحديداً ينبغي أن ينتقل النقاش من الأشخاص إلى المنظومة.
فليست القضية أن نبحث عن فاسد بعينه لنعلقه شماعة لكل الاختلالات، ولا أن نختزل كل مشكلة في وزير أو مدير أو موظف. القضية الأكبر هي: هل توجد منظومة تجعل الفساد أكثر صعوبة، وسوء التسيير أكثر كلفة، وإهدار المال العام أكثر انكشافاً، والصفقات أكثر شفافية، والتعيين أكثر ارتباطاً بالكفاءة، والرقابة أكثر استقلالاً، والمواطن أكثر قدرة على معرفة أين تذهب موارده؟
إذا كانت الإجابة ناقصة، فالمشكلة ليست في الأفراد وحدهم؛ إنها في قواعد اللعبة نفسها.
ومن هنا يصبح النقد السياسي ضرورة ديمقراطية متى التزم السلم والقانون، ولم يتحول إلى تحريض على الفوضى أو استهداف لمؤسسات الدولة. فالمعارضة الجادة لا تعني هدم الدولة، كما أن الموالاة العمياء لا تعني حماية الدولة. الدولة أقوى من الحكومات، وأبقى من الأشخاص، ومصلحة الوطن أوسع من مصلحة أي طرف سياسي.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في بلدٍ ما ليس أن ترتفع أصوات المعارضة، وإنما أن تتوقف السلطة عن سماعها؛ وليس أن ينتقد المواطن، وإنما أن يفقد المواطن الأمل في جدوى النقد؛ وليس أن تطالب النخب بالتغيير، وإنما أن تصبح قناعة قطاعات واسعة بأن الإصلاح مستحيل من داخل النظام القائم.
وعندها تتحول السياسة من مجال للتنافس على تحسين الدولة إلى مجال للصراع حول الدولة، وهي مرحلة لا ينبغي لأي عاقل أن يتمناها لبلده.
لذلك فإن المخرج الوطني لا يكمن في تأجيل الأسئلة، ولا في تجميل الواقع، ولا في تحميل كل إخفاق للظروف الخارجية، ولا في تحويل كل منتقد إلى خصم للوطن. المخرج يكمن في الاعتراف الصريح بمواطن الخلل، وفتح المجال أمام رقابة حقيقية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وترشيد الإنفاق، وحماية المال العام، وتقديم الكفاءة على الولاء، وإطلاق إصلاحات سياسية ومؤسسية قابلة للقياس.
وإذا كانت السلطة ترى أن مسارها صحيح، فليكن الرد بالأرقام والنتائج لا بالشعارات: كم انخفض الفقر؟ كم وظيفة منتجة أُنشئت؟ كم تحسنت خدمات الصحة والتعليم؟ كم ارتفعت كفاءة الإنفاق؟ كم قضية فساد عولجت بصورة شفافة؟ كم مشروعاً أنجز في وقته وبالكلفة المعلنة؟ وما حجم الهدر الذي جرى تقليصه؟
تلك هي الأسئلة التي ينبغي أن تواجهها السلطة، وتلك هي المعايير التي ينبغي أن تُناقش بها الحكومات.
أما النشطاء والسياسيون والمثقفون، فمسؤوليتهم أن يجعلوا من اختلافهم وسيلة لحماية الوطن لا لتفكيكه، وأن يظل التغيير، متى طالبوا به، مرتبطاً بالسلم والقانون والمؤسسات، وأن يكون هدفه تصحيح المسار لا الانتقام من الأشخاص.
فالوطن لا يحتاج إلى معركة بين أبنائه بقدر ما يحتاج إلى معركة عقلانية مع الفساد وسوء التسيير والهدر وانعدام الكفاءة.
وإذا كان النظام القائم يريد أن يحافظ على ثقة الناس، فإن أفضل طريق إلى ذلك ليس تضييق مساحة السؤال، وإنما الإجابة عنه؛ وليس إخفاء مواطن الضعف، وإنما إصلاحها؛ وليس مطالبة المواطن بالصبر إلى ما لا نهاية، وإنما تقديم نتائج يستطيع أن يراها في حياته اليومية.
وفي النهاية، فإن قوة أي نظام لا تقاس بعدد من يصفقون له، وإنما بقدرته على احتمال النقد، وتصحيح الأخطاء، وتجديد الثقة، وإقناع الناس بأن مؤسسات الدولة تعمل من أجلهم.
أما حين تتراكم مؤشرات الفساد، وضعف الخدمات، واختلال الأولويات، وتدني كفاءة الإنفاق، وتباعد الخطاب الرسمي عن التجربة اليومية للمواطن، فإن السؤال لا يعود: هل هناك مشكلة؟
بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً:
كم بقي من الوقت قبل أن تتحول مشكلة الإدارة إلى أزمة ثقة، وأزمة الثقة إلى أزمة سياسية، بينما كان يمكن تفادي كل ذلك بإصلاح هادئ وشجاع في الوقت المناسب؟
سيدي عيلال / مستشار جهوي
