
بنشاب : إنني، مع كامل الاحترام للنائب والزعيم بيرام ولد الداه ولد أعبيد، لا أشارك هذا التصور، ولا أرى أن المسألة تقف عند المفاضلة بين انقلاب عسكري وتداول ديمقراطي فحسب؛ لأن التشخيص الذي يقدمه للأزمة، إذا بلغ مداه الذي يصفه، يفتح أمام البلاد احتمالين، كلاهما بالغ الخطورة.
فإذا انسدت السبل السياسية، وتآكلت الثقة في المؤسسات، وأصبح التغيير المنشود عاجزًا عن التحقق عبر الآليات الديمقراطية، فإن الفراغ الذي سينشأ لن يدوم طويلًا. وقد تملؤه القوة، وأقرب صورها أن تستولي مجموعة عسكرية على القرار الوطني، فتضع البلاد مرة أخرى أمام انتقال مجهول العواقب، تكون فيه المؤسسة العسكرية ــ وهي مؤسسة وطنية ينبغي أن تبقى فوق التجاذب السياسي ــ طرفًا في صراع السلطة.
أما الاحتمال الثاني، وهو الأخطر والأشد كلفة، فهو أن يتحول الاحتقان المتراكم إلى انفجار شعبي واسع يتجاوز قدرة الدولة على الضبط، فتدخل البلاد في مسار ثوري مفتوح لا يملك أحد ضمان نهايته. وعندها قد لا تكون المسألة تغيير سلطة بسلطة، بل انزلاقًا إلى صراع داخلي وحرب أهلية، تتداخل فيها المظالم السياسية والاجتماعية مع الولاءات والانقسامات، وتجد الأطماع الإقليمية والدولية المحيطة بالبلد منفذًا للتدخل والتأثير.
وهنا تكمن خطورة الطرح؛ فموريتانيا ليست جزيرة معزولة عن محيط مضطرب، ولا بلدًا محصنًا من أطماع القوى التي تراقب ثرواته وموقعه وحدوده وممراته ومقدراته. وأي تصدع داخلي عميق قد يغري المتربصين باستثمار الفوضى، وعندها لن يكون ثمن الخلاف السياسي تغيير حاكم أو حكومة، بل قد يكون وحدة الوطن وأمنه واستقراره ومستقبل أجياله.
لذلك فإن رفض الانقلاب، في رأيي، لا يكفي وحده، كما أن رفض السلطة القائمة لا يبرر دفع البلاد إلى المجهول. المطلوب هو كسر هذه المعادلة الخطرة قبل أن تتحول إلى قدر: لا ثكنة تحكم البلاد، ولا ثورة عمياء تحرقها؛ وإنما إصلاح سياسي جاد، وانتقال سلمي حقيقي، ومؤسسات تحظى بالثقة، ونخبة مسؤولة، وانتخابات تحترم إرادة الناخبين، ومعارضة قادرة على تقديم بديل وطني مسؤول.
فالأوطان لا تُسترد من أزماتها بإحراقها، ولا تُبنى فوق أنقاض مؤسساتها. وقد يكون تغيير الحاكم أمرًا هينًا، لكن الحفاظ على الدولة حين تنكسر قواعدها أصعب بكثير. ومن يطلب التغيير باسم الوطن، عليه أن يضع الوطن أولًا، وثقتي في مكانة الوطن عند نائبنا الموقر لا تقبل التورية؛ لأن خسارة السلطة يمكن تعويضها، أما خسارة الدولة، فوطن كامل قد يحتاج عقودًا لاسترداد عافيته.
إن موريتانيا تحتاج اليوم إلى عقل سياسي يطفئ الحرائق قبل اشتعالها، لا إلى خطاب يزيد قابلية البلاد للاشتعال. فبين انقلاب قد يصادر القرار الوطني، وثورة قد تفتح أبواب الحرب الأهلية، يبقى الطريق الثالث ــ وإن كان أطول وأشد مشقة ــ هو الطريق الوحيد الذي يستحق أن يُبذل من أجله النضال: تغيير سلمي يحفظ الدولة، ويصون الجيش، ويمنع التدخل الخارجي، ويضع مصلحة الوطن فوق طموحات جميع المتنافسين.
وعلى النظام القائم أن يعي خطورة العبث بالديمقراطية والقانون والدستور؛ فهذا الجو المشحون لن يفرز حلًا آمنًا مضمونًا، والاستيلاء القسري على الرأي الآخر يفتح أبواب جحيم فوضى لا تُبقي ولا تذر، لا قدر الله، والتوكل على التحكم في المترشحين المحتملين معول هدم موثق ودليل إدانة.
ومع ذلك، ممتع أن تقرأ لنائب ترجمة فخمة، وحروفًا سلسة لكمّ هائل من الأفكار الشاملة والقوية، المنفتحة على الآخر، حتى وإن كان هذا الآخر لا يبادلها المشاعر نفسها.
تحياتي
انواكشوط بتاريخ : 22/08/2026
المستشار الجهوي سيدي عيلال
بتاريخ 22/08/2026
