
بنشاب: تشهد منطقة الساحل الإفريقي خلال أغسطس تصعيداً عسكرياً متواصلاً، مع عمليات للقوات الحكومية ضد الجماعات المسلحة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، بالتزامن مع مواجهات بين تنظيمات جهادية متنافسة، وتغير واضح في طبيعة التحالفات الأمنية والعسكرية في المنطقة.
في مالي، تواصل القوات المسلحة المالية، بمشاركة وحدات من الفيلق الإفريقي الروسي، عملياتها ضد جماعتي نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد ضمن عملية “دوغوكولوكو” وشملت العمليات مناطق في شمال البلاد ووسطها وجنوبها، بينما أعلنت القيادة العسكرية المالية تنفيذ ضربات جوية وعمليات برية خلال الأسابيع الأخيرة.
وقدمت القيادة العسكرية حصيلة لعمليات شهري يونيو ويوليو، قالت فيها إن القوات قتلت نحو 1850 مسلحاً ودمرت 45 قاعدة، إضافة إلى تنفيذ نحو 1500 طلعة جوية و307 ضربات، وتدمير عشرات المركبات والمعدات التابعة للجماعات المسلحة.
كما أعلنت السلطات المالية تحرير 82 جندياً كانوا محتجزين منذ أبريل، وفق الرواية الرسمية، بينما قالت جبهة تحرير أزواد إنها سلمت 82 جندياً مالياً إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر في إطار مبادرة إنسانية، ويختلف الطرفان في توصيف ظروف الإفراج عن الجنود، في وقت تتواصل فيه العمليات والهجمات في مناطق عدة من البلاد.
وفي 16 أغسطس، نفذت القوات الجوية المالية ضربات في منطقة كاييس، بعد رصد مجموعات مسلحة شمال شرقي ساندا ري، ثم استهدفت في اليوم التالي مواقع في كيدال وتينزواتين وتالهندكت، وأعلنت تدمير مخابئ للأسلحة والمعدات اللوجستية وعدداً من المركبات.
وفي النيجر، أعلنت القوات المسلحة تنفيذ عمليات ضد الجماعات المسلحة في مناطق عدة، خصوصاً إقليمي تيلابيري وطاوا، إضافة إلى المناطق القريبة من الحدود مع مالي وبوركينا فاسو، وقال الجيش إنه تمكن خلال هذه العمليات من قتل عدد من المسلحين وضبط مركبات ودراجات نارية ووسائل اتصال ومكونات تستخدم في تصنيع العبوات الناسفة.
وفي 13 أغسطس، أعلن عن تحرير المبشر الأميركي كيفن رايدوت، بعد أكثر من تسعة أشهر قضاها في الأسر لدى جماعات مسلحة في النيجر، في تطور ارتبط بملف الاختطاف والنشاط المسلح في البلاد.
لكن الوضع الأمني شهد تطوراً آخر في 19 أغسطس، عندما هاجم مقاتلون من الحركة الوطنية من أجل الحرية والعدالة مواقع للقوات النيجرية في سيغيدين بمنطقة أغاديز، واستهدف الهجوم معسكراً للحرس الوطني ونقطة تفتيش تضم عناصر من الشرطة والدرك والجمارك، قبل أن يقوم المهاجمون، وفق المعطيات المتداولة، بنهب وإحراق بعض المنشآت والاستيلاء على أسلحة وذخائر.
أما في بوركينا فاسو، فقد تزامنت الهجمات على القوات الحكومية والمتطوعين المساندين لها مع مواجهات بين الجماعات المسلحة نفسها، وفي 18 أغسطس، سيطر مقاتلو نصرة الإسلام والمسلمين على موقع تابع لـ متطوعي الدفاع عن الوطن قرب واهيغويا شمالي البلاد.
وفي اليوم نفسه، اندلعت مواجهات بين نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل في منطقتي تامباو وداركوي بإقليم الساحل، وقالت مصادر لصحيفة تقدمي التي أنفردت بنشر الخبر كسبق صحفي إن المواجهات أسفرت عن مقتل عدد من عناصر التنظيم المنافس.
وتظهر هذه التطورات أن الجماعات المسلحة في المنطقة لا تواجه القوات الحكومية فقط، وإنما تتنافس أيضاً على الأراضي والطرق وممرات الإمداد ومناطق النفوذ، وفي الوقت نفسه، تواصل الجيوش عملياتها في مناطق واسعة يصعب تأمينها بصورة مستمرة، خصوصاً في المناطق الحدودية.
وتزامن التصعيد العسكري مع تغير في خريطة التحالفات الإقليمية، إذ اتجهت مالي والنيجر وبوركينا فاسو خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز علاقاتها الأمنية مع روسيا، بعد تراجع علاقاتها مع فرنسا وعدد من شركائها الغربيين، كما انسحبت الدول الثلاث من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا «إيكواس» وشكلت كونفدرالية دول الساحل.
وفي هذا السياق، أفاد موقع «Modern Diplomacy» اليوم السبت، بأن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره الغاني صامويل أوكيتا أبلواكوا اتفقا على إجراءات تهدف إلى تطبيع العلاقات بين كونفدرالية دول الساحل و«إيكواس»، وقال لافروف إن موسكو مستعدة لدعم جهود تطبيع العلاقات بين الطرفين، معتبراً أن التعاون بين دول غرب إفريقيا ضروري لمواجهة التهديدات الأمنية والإرهابية.
ويضع هذا المشهد دول الجوار أمام واقع أمني متغير، خصوصاً موريتانيا التي تشترك مع مالي في حدود واسعة، ورغم استمرار الهدوء الأمني على الجانب الموريتاني، فإن العمليات العسكرية المتواصلة في مالي، وما قد يرافقها من تغير في تحركات الجماعات المسلحة وحركة السكان والمهربين في المناطق الحدودية، تجعل التطورات الجارية هناك ذات صلة مباشرة بالأمن الحدودي الموريتاني.
ومع استمرار العمليات في شمال مالي ووسطها ومناطق أخرى، تظل مراقبة الحدود والتحركات في المناطق القريبة من موريتانيا من أبرز الملفات الأمنية بالنسبة لنواكشوط، خصوصاً أن طبيعة المنطقة الصحراوية واتساع المساحات الحدودية يجعلان ضبط حركة الأشخاص والمركبات والمجموعات المسلحة مهمة مستمرة.
ووفق ما قاله الصحفي المتخصص في الحركات الجهادية محمد محمود ولد أبو المعالي في مقابلة مع قناة TTV، نقلتها صحيفة تقدمي، فإن اقتتال «نصرة الإسلام والمسلمين» و«ولاية الساحل» التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية يستدعي الحذر، لكنه يرى أن ميزان القوة والانتشار ما يزال يميل بصورة عامة إلى «نصرة الإسلام والمسلمين»، التي قال إنها أكثر تجذراً في المنطقة، بحكم ارتباطها بجماعات محلية ذات حضور قديم، بينها «كتائب ماسينا» و«أنصار الدين» و«إمارة الصحراء».
ويرى ولد أبو المعالي أن هذا الاقتتال، رغم خطورته، قد يصب في مصلحة جيوش دول الساحل، باعتبار أن المواجهة تدور بين طرفين مسلحين يمثلان خصمين للدول، لكنه لا يتوقع أن ينتهي الصراع سريعاً، في ظل استمرار التنافس بين التنظيمين على النفوذ والمقاتلين وتمثيل الحركة الجهادية العالمية في المنطقة، وما إذا كانت الغلبة ستكون لتنظيم القاعدة أم لتنظيم الدولة الإسلامية.
وفي ما يتعلق بموريتانيا، أكد ولد أبو المعالي أن «ولاية الساحل» بعيدة جغرافياً عنها، وأن مناطق انتشارها الرئيسية تقع باتجاه وسط مالي والشرق، مروراً بمناطق مثل مينكا وليبتاكو-غورما وغاو، معتبراً أن هذه المناطق بعيدة جداً عن الحدود الموريتانية، كما أوضح أن المناطق المحاذية لموريتانيا لا يوجد فيها، حتى الآن، حضور لـ«ولاية الساحل» أو تنظيم الدولة الإسلامية.
لكنه شدد، في المقابل، على أن وقوع الاقتتال بين التنظيمات الجهادية على مشارف موريتانيا يستدعي الحذر، خصوصاً أن هذه المواجهات سبق أن ارتبطت خلال السنوات الماضية بمجازر واسعة طالت سكاناً من الفلان والطوارق والعرب، فيما تظل المنطقة المحاذية لموريتانيا مرتبطة أساساً بنشاط جماعات أخرى، بينها عناصر مرتبطة بـ«كتائب ماسينا» وتنظيم القاعدة.
إعداد: الحسين التراد
صحفي ومتابع للشأن الأمني في منطقة الساحل
