
بنشاب: إذا كانت الدولة واثقة من عدالة إجراءاتها، فلماذا يبدو أن مرض خصمها السياسي أصبح أخطر عليها من خصومته نفسها؟ وإذا كانت واثقة من قوة ملفها القضائي، فلماذا يترك المرض يتسلل إلى زنزانته ليؤدي دورا لم يجرؤ القضاء على النطق به؟ وإذا كان الحكم قد صدر باسم القانون، فمن الذي منح السلطة حق تحويل السجن إلى مساحة للعقاب خارج منطوق الأحكام، بحيث يصبح الألم الجسدي امتدادا لعقوبة لم يصدر بها أي قاض؟
إن الدولة القوية لا تنتصر على خصومها بالمرض، ولا تثبت عدالتها بتجاهل آلامهم، ولا تحتاج إلى أن ترى خصمها ينهار كي تثبت أنها انتصرت عليه. الدولة الواثقة من نفسها تفعل العكس تماما: تحاكمه وفق القانون، وتحفظ كرامته، وتعالجه حين يمرض، ثم تترك للتاريخ مهمة الحكم على الجميع.
أما أن يتحول السجن إلى فضاء يلتبس فيه العقاب بالإهمال، والحكم القضائي بالمعاناة الصحية، فذلك أمر ينبغي أن يثير القلق في وجدان كل موريتاني، مهما كان موقفه من الرئيس السابق. وأنا لا أكتب هنا دفاعا عن شخص بقدر ما أكتب دفاعا عن مبدأ: مبدأ أن الخصومة السياسية لا تسقط إنسانية الخصم، وأن السجين لا يفقد حقه في العلاج لأنه خلف القضبان، وأن الدولة، حين تسلب الإنسان حريته، تتحمل مسؤولية مضاعفة عن سلامته، وأن العدالة لا تقاس فقط بما تصدره المحاكم من أحكام، وإنما أيضا بكيفية معاملة الإنسان الذي أصبح تحت سلطة الدولة.
ولهذا، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق السلطة، لا لتبرير شيء، بل لتفعل الشيء البديهي الذي لا يحتاج إلى تبرير: أن تفتح أبواب العلاج على مصاريعها، وأن توفر للرئيس السابق كل ما تستلزمه حالته الصحية من فحوص ورعاية واختصاصيين، داخل البلاد أو خارجها إذا اقتضى الأمر. فإن كان سليما، فليعالج. وإن كان مريضا، فليعالج. وإن كان متهما، فليحاكم. وإن كان مدانا، فليطبق الحكم. لكن لا يجوز، تحت أي عنوان، أن تختلط هذه المسارات بحيث يصبح المرض جزءا من العقوبة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للدولة ليس أن يتهم خصمها بالظلم، بل أن يصبح الصمت نفسه دليلا يستدل به على الظلم. فالسلطة قد ترى في الصمت إجراء إداريا، لكن التاريخ قد يراه تواطؤا. وقد ترى في التأخير تفصيلا بيروقراطيا، بينما يراه الناس استخفافا بحياة إنسان. وقد تعتبر أن الملف قضائي بحت، بينما يرى الرأي العام أن الدولة، في النهاية، هي التي تتحمل مسؤولية كل ما يقع لمن هو في عهدتها.
لذلك، فإن أي تدهور صحي خطير للرئيس السابق، لا قدر الله، سيكون قبل كل شيء اختبارا أخلاقيا للدولة، وسيضع السلطة أمام مسؤولية لا تنفع معها البيانات ولا التبريرات المتأخرة. فالأرواح لا تدار بالبيانات، والمرض لا ينتظر الإجراءات، والتاريخ لا يرحم من أدرك الخطر ثم تأخر.
إن الرئيس محمد ولد الغزواني، بصفته رئيس الدولة، يملك اليوم فرصة لأن يثبت أن موريتانيا دولة مؤسسات لا دولة خصومات، وأن القانون فيها أسمى من الأشخاص، وأن الخصومة السياسية لا تتحول إلى خصومة مع الحياة نفسها. فليصدر القرار الواضح الذي لا لبس فيه: العلاج الكامل، الفوري، واللامشروط. وليكن القضاء للقضاء، والطب للطب، والسياسة للسياسة. أما حياة الإنسان، فلا ينبغي أن تكون ورقة في أي صراع.
لأن الدولة التي تحمي خصمها حين يمرض، أقوى ألف مرة من دولة تنتظر سقوطه كي تحتفل بانتصارها. ولأن العدالة التي تحتاج إلى مرض خصمها كي تنتصر، ليست عدالة منتصرة، بل عدالة فقدت معناها في الطريق.
وسيظل السؤال الأكبر معلقا في سماء موريتانيا: حين يمرض الخصم داخل السجن، هل تنتصر الدولة عليه... أم تنتصر الدولة على نفسها؟

