التاريخ و إنصاف أصحاب الأثر...

ثلاثاء, 07/07/2026 - 19:28

بنشاب : لَئِنْ تَرَكْنَ ضَمِيرًا عَنْ مَيَامِنِنَا

لَيَحْدُثَنَّ لِمَنْ وَدَّعْتُهُمْ نَدَمُ

إِذَا تَرَحَّلْتَ عَنْ قَوْمٍ وَقَدْ قَدَرُوا

أَلَّا تُفَارِقَهُمْ فَالرَّاحِلُونَ هُمُ

 

ليس كلُّ الرجال سواءً في صفحات الزمن؛ فمنهم من تمرُّ به الأيام فلا تُبقي له إلا اسمًا في سجلٍّ منسي، ومنهم من يعبر هو فوق الأيام، فتغدو السنون شواهدَ على أثره، ويغدو التاريخُ مرآةً تعكس صدى أفعاله. وهؤلاء هم الذين لا تُقاس أقدارهم بما يقال فيهم، وإنما بما يبقى منهم بعد أن يسكت الضجيج، ويهدأ صخب السياسة، وتنطق الوقائع بلسانٍ لا يعرف المجاملة.

 

ويرى مؤيدو الرئيس محمد ولد عبد العزيز أنه كان من أولئك الرجال الذين إذا تقلّدوا المسؤولية جعلوا للدولة هيبةً، وللقرار وزنًا، وللسيادة مقامًا لا يُساوَم عليه. ويعتقدون أن سنوات حكمه لم تكن عندهم مجرد تعاقبٍ للأعوام، بل مرحلةً حفلت بمشروعاتٍ ومواقفَ يعدّونها جزءًا من ذاكرة الوطن، يستدعونها كلما ذُكر الأمن، أو التنمية، أو حضور الدولة في 

محيطها.

 

وما أعظم ما قاله أبو الطيب المتنبي:

 

على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ

وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ

 

وقال أيضًا:

 

وإذا كانتِ النفوسُ كبارًا

تعبتْ في مرادِها الأجسامُ

 

وما أكثر ما يختلف الناس في الرجال، غير أن الأثر يبقى أبلغ من الجدل، والزمن أمضى من الخصومة. فإذا كان الاختلاف سنةً بين البشر، فإن الإنصاف فضيلةٌ لا ينبغي أن تغيب، لأن الأمم التي تحفظ لأصحاب الأثر مكانتهم، أمةٌ تحفظ لذاكرتها هيبتها، ولتاريخها صدقه.

 

ولعل من أبلغ ما يُقال في هذا المقام:

 

إذا ذُكرَ الرجالُ فأنتَ ذِكرٌ

يُضيءُ كما يُضيءُ البدرُ ليلًا

فليس المجدُ لفظًا يُستعارُ

ولكنْ ما أقامَ الخُلدَ فعلًا

 

إن الرجال قد تغيب أشخاصهم، لكن آثارهم تظل حاضرةً في الوجدان، كالنهر يبتعد عن منبعه، غير أن ماءه لا يزال يسقي الضفاف. وما من قائدٍ ترك أثرًا إلا بقي موضعَ قراءةٍ وتأمل، يختلف الناس حوله، لكنهم لا يستطيعون أن يتجاوزوا حضوره في صفحات التاريخ.

 

ولذلك يبقى ميزان الإنصاف أسمى من نزعات الخصومة، وأبقى من تقلبات السياسة؛ فالتاريخ لا يكتب بالانفعال، وإنما يكتبه ما يتركه الرجال من آثارٍ في أوطانهم، وما يغرسونه من معالم تبقى بعدهم. وحين ينصف التاريخ رجاله، يدرك الناس أن الأيام قد تُؤخر كلمة الحق، لكنها لا تُسقطها، وأن المآثر إذا صدقت، كانت أخلد من الأعمار، وأبقى من الزمان.