"كرنفال النخبة" : هندسة التلميع و صناعة الوهم... / قراءة نقدية

أربعاء, 03/06/2026 - 12:01

بنشاب : يتبدى للمتأمل في كتاب «زمن العبور الهادئ» لمؤلفه سيدي محمد ولد بوبكر اختلالٌ صارخ في موازين القراءة التاريخية؛ حيث كرس المؤلف دفتي كتابه للنفخ في رماد فترة انتقالية باهتة لم تتجاوز ثمانية عشر شهرًا، محاولًا قسرها في وعي القارئ كـ "لحظة مفصلية" في التاريخ السياسي الموريتاني. وفي مقابل هذا الاحتفاء المبالغ فيه بالهوامش الزمنية، يسقط الكتاب في خطيئة الصمت المريب تجاه عقود طويلة وعميقة من تاريخ البلاد؛ وهي العقود عيّنها التي تشكلت في أتونها مؤسسات الدولة وبنيتها الإدارية، والتي تسلق المؤلف نفسه هرمها الوظيفي خطوة بخطوة حتى تربع على أرفع مناصبه.

​إن اختزال تاريخ أمة في سويعات سياسية عابرة، ليس مجرد قصور في المنهج، بل هو انتقائية متعمدة لتزييف الوعي الجمعي.

​من زاوية نقدية تفكيكية، فإن هندسة كتاب كامل وضخّه في السوق بناءً على تلك الحقبة الوجيزة، لا يقدم توثيقا للتاريخ بقدر ما يثير ريبة مشروعة حول الوزن الحقيقي لتلك المرحلة في معادلة الوطن. إن محاولة تصدير هذه المدة كفردوس سياسي مفقود أو كـ "نموذج ناجح للعبور" تصطدم بصخرة الواقع المرير؛ فالمخيال الجمعي الموريتاني لا يرى في تلك المرحلة سوى بؤرة تمازجت فيها مظاهر سوء التسيير، وتغوّل النفوذ، والعبث المقنن بالمال العام، في استمرار فج لنهج لم يختلف عن سابقيه إلا في الشعارات.

​كرنفال النخبة: هندسة التلميع وصناعة الوهم

​لم يكن المشهد الاحتفائي الذي رافق توقيع الكتاب مجرد حدث ثقافي عابر، بل كان بيانا سياسيا مكشوفا تجسدت فيه كل علل المشهد الوطني. لقد تقاطرت على حفل الاحتفاء تراجيديا بشرية من:

​شخصيات النخبة السياسية والإدارية المهترئة.

​رجال أعمال نموا في كنف الريع والمحسوبية.

​جنرالات متقاعدين ارتبطت أسماؤهم بعقود من تدمير الحوكمة وتجريف الموارد الوطنية.

​إن هذا الحشد السريالي لم يأتِ ليرعى مراجعة تاريخية شاملة ومتوازنة، بل جاء ليؤدي دور الكورال في مسرحية تسويق الوهم. وعليه، فإن «زمن العبور الهادئ» لا يعدو كونه وثيقة اعتذارية، ومحاولة بائسة لتبييض صفحة مرحلة سياسية معزولة، وإعادة تدوير شخوصها، بعيدا عن أي نقد ذاتي حقيقي أو قراءة رصينة لصيرورة الدولة الموريتانية .