حين تنطق الوقائع و يصمت الإفتراء... شهادة في مسار رجل صنعته المحن

ثلاثاء, 07/04/2026 - 14:19

بنشاب : ليست العدالة صدىً للأصوات المرتفعة، ولا الحقيقة ظلًّا لما تروّجه الخصومات، بل هي ميزانٌ دقيقٌ لا يستقيم إلا بالدليل، ولا ينحاز إلا للثابت من الوقائع. وفي خضم السجالات التي تتكرر بين حين وآخر، يبرز واجب التذكير بما انتهت إليه الأحكام، بعيدًا عن الانفعال، وقريبًا من روح الإنصاف التي تحفظ للدولة هيبتها وللرجال مكانتهم. فالتاريخ لا يُنصف إلا من صبر حتى قالت المؤسسات كلمتها الأخيرة.

لقد تعرّض الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز لسيلٍ من الاتهامات التي ملأت الفضاء العام، وتناقلتها الألسن بين تصديقٍ وتشكيك، غير أن مسار القضاء ـ بما يحمله من صرامة التحقيق ودقة التمحيص ـ رسم صورة مغايرة لما رُوّج. فقد انتهت الإجراءات القضائية إلى تبرئته من تهم الفساد وتبديد المال العام، سواء تعلق الأمر بالممتلكات النقدية أو العقارية، كما لم يثبت عليه استغلال النفوذ ولا الرشوة ولا إساءة استخدام السلطة.
ولم تقف نتائج العدالة عند هذا الحد، بل شملت أيضًا نفي أي تلقي لأموال أو امتيازات مرتبطة بالصفقات العمومية، رغم أن الدعوى مرت بمراحل مطوّلة اتسمت بشدة المواجهة القانونية. وهنا تتجلّى مفارقة لافتة؛ إذ إن القضاء، على امتداد مسار القضية، بذل جهده في البحث عن أدلة إدانة، لكنه لم يجد ما يثبت وقوع فساد بأي صورة من الصور.
وقد انحصرت القضية لاحقًا في شبهة الإثراء غير المشروع، وهي مسألة ارتبطت بأموال قُدمت له بعد مغادرته السلطة، وقيل إنها جاءت من الرئيس محمد ولد الشيخ محمد أحمد الغزواني، الأمر الذي أثار نقاشًا واسعًا حول طبيعة تلك الأموال وسياقها القانوني، خاصة في ظل الجدل بشأن حدود التحقيق فيها. ومع ذلك بقيت الوقائع الأساسية ثابتة: أن الاتهامات الكبرى التي شكّلت محور الحملة الإعلامية لم تثبت أمام القضاء.
وإذا كان الرجال يُعرفون عند الشدائد، فإن سيرة محمد ولد عبد العزيز عند أنصاره تُقرأ بوصفها تجربة قائدٍ واجه الأزمات بثبات، ورجل دولة ارتبط اسمه بمحطاتٍ يرونها مفصلية في مسار التنمية وتعزيز حضور الدولة. فقد شهدت البلاد خلال فترة حكمه مشاريع بنيوية، وتوسّعًا في البنى التحتية، وتوجهًا نحو تثبيت الاستقرار الأمني، وهي إنجازات يراها مؤيدوه شواهد قائمة على أرض الواقع لا تُمحى بتبدل الخطاب ولا بتقلب المواقف.
وهكذا ظل حضوره في المشهد العام رمزًا لدى مناصريه للشجاعة السياسية والإصرار، حيث يرونه قائدًا لم ينكفئ أمام العواصف، بل خاض معركة الدفاع عن نفسه داخل مؤسسات الدولة، مؤمنًا بأن العدالة ـ مهما طال الطريق إليها ـ كفيلة بإظهار الحقيقة.

إن الأوطان لا تُبنى بتراكم الاتهامات، بل بترسيخ ثقافة احترام الأحكام وصون كرامة الاختلاف. وحين تتكلم العدالة، يصبح الإنصاف واجبًا أخلاقيًا قبل أن يكون موقفًا سياسيًا. وبين روايات تُقال ووقائع تُثبت، تبقى الحقيقة أكثر رسوخًا من الضجيج، ويبقى التاريخ أعدل القضاة، يدوّن أسماء الرجال بما قدموا، لا بما قيل فيهم، وبما ثبت من أثرهم في مسيرة الوطن لا بما علق بهم من ظنون عابرة.