و هكذا تبقى *الوقفات* صفحات تكتب خارج دفاتر السياسة الضيقة...

جمعة, 06/03/2026 - 16:01

بنشاب : في الأزمنة التي تختلط فيها الأصوات، وتضطرب فيها الموازين، لا يبقى ثابتًا إلا معدن الرجال، ولا يعلو إلا صوت الذين آثروا الصدق على السلامة، والوفاء على المساومة. وفي شهرٍ تُصفَّد فيه الشهوات وتصفو فيه السرائر، ارتفعت وقفاتٌ لا تُقاس بعدد الواقفين، بل بوزن المعنى الذي يحملونه؛ وقفاتٌ صاغها الإيمان بالموقف قبل الإيمان بالشخص، وأحياها يقينٌ بأن التاريخ لا يُنصف الصامتين حين يُمتحن الحق.

استمرار وقفات أنصار الرئيس محمد ولد عبد العزيز لم يكن حدثًا عابرًا تُطويه الأيام، بل شهادة حيّة على أن الذاكرة الشعبية لا تُمحى بمرور الزمن، وأن ما يُغرس في واقع الناس من أثرٍ صادق يظل قائمًا، مهما تعاقبت الروايات وتبدّلت التأويلات. رجال ونساء خرجوا في زمن الصيام، حيث تتجرد النفوس من الزيف، فاختاروا أن يكون حضورهم موقفًا، وأن يكون صمتهم بيانًا، وأن تتحول خطواتهم إلى لغةٍ أفصح من الخطب.
لم يرض هؤلاء أن ينخرطوا في جموع التردد، ولا أن يذوبوا في ضجيج الاتهام والتشكيك، بل اصطفّوا حيث رأوا الحق كما أدركته ضمائرهم؛ مؤمنين بأن الوفاء ليس شعارًا يُرفع، بل عهدٌ يُصان حين تشتد المحن. رأوا في الرجل سجلَّ مرحلةٍ حفلت بإنجازاتٍ لامست الأرض قبل أن تُدوَّن في السطور، فاستحضروا ما تحقق واقعًا لا ما قيل جدلًا، وما بقي أثرًا لا ما زال نزاعًا.
إنهم لا يناصرون صورةً عابرة، بل تجربةً يرونها محفورة في وجدان الدولة، تجربة رجلٍ عُرف بثبات الموقف حين اضطربت الاتجاهات، وبالعهد حين تراجع غيره، وبالعمل الملموس الذي لا يحتاج إلى زخرف العبارة ليشهد له الواقع. ومن بين صفوف المناصرين يتقدم المناضل الشهم كريم الشيكر، مثالًا لصوتٍ آثر الحضور في ساحة الموقف على راحة المتفرج، فغدا حضوره رمزًا لعزيمةٍ لا تستعير قوتها إلا من قناعةٍ راسخة.
وهكذا تحولت الوقفات إلى مشهدٍ تتداخل فيه الروح الرمضانية مع معنى النصرة؛ حيث يمتزج الصبر بالإيمان، والسكينة بالعزم، في صورةٍ تُذكّر بأن الشعوب لا تقيس الرجال بما يُقال عنهم، بل بما يتركونه من أثرٍ حين يكون الفعل أبلغ من القول. فلا ضجيج يعلو على هدوء اليقين، ولا خطاب يطغى على صدق الانتماء حين يتجسد في وجوهٍ صائمةٍ ثابتةٍ كأنها تقول إن المبادئ لا تعرف موسمية الولاء.

وهكذا تبقى الوقفات صفحاتٍ تُكتب خارج دفاتر السياسة الضيقة، صفحاتٍ عنوانها الوفاء، وسطرها الأول الثبات، وخاتمتها أن الحق — كما يراه أصحابه — لا يموت ما دام له رجال ونساء يحملونه في القلوب قبل الساحات. فإذا كان الزمن يمتحن المواقف، فإن هذه المشاهد تثبت أن بعض العهود لا يبددها الغياب، وأن صوت الإخلاص، مهما خفت، يظل أصدق من كل صخبٍ عابر.

من ص/ brahim abdellahi