
بنشاب : حين يُنصِت التاريخُ إلى وقع الخطى الثقيلة، ويُصغي الزمنُ إلى همس القرارات المصيرية، ينهض في الذاكرة اسمٌ محفورٌ في صميم الدولة: محمد ولد عبد العزيز. اسمٌ لا يُتداول ترفًا، ولا يُستدعى عبثًا، بل يُستحضر بوصفه عنوان مرحلةٍ شديدة الامتحان، كثيفة المعاني، دقيقة التوازن.
لم يكن حضوره في ساحة الحكم مجرّد عبورٍ إداريٍّ أو مقامٍ بروتوكولي، بل كان ممارسةً واعيةً لفنّ الإمساك بخيوط المصير، وسط تشابك المصالح وتزاحم الإرادات. سار في دروب السلطة كما يسير العارف في متاهة الرموز: ثابت الخطو، محكِم الرؤية، بعيدًا عن صخب الادّعاء.
شيّد مفهوم الدولة على قواعد الانضباط، وربط السياسة بميزان المسؤولية، فجعل القرار ابنَ العقل، لا رهينةَ المزاج. كان يُدير الصمت كما يُدير الخطاب، ويزن التوقيت كما يُوازن الموقف، فلا يسبق الحدث، ولا يتأخر عن مقتضاه.
محمد ولد عبد العزيز لم يكن أسيرَ الكلمات المصقولة، بل صانعَ الوقائع الصلبة. جمع بين حزم الميدان ودقّة الحساب، فصار حضوره معادلةً عسيرة الفهم، لا يفكّ شيفرتها إلا من خبر دهاليز السلطة، وعرف أن الحكم امتحانٌ متواصل لا تُمنح فيه الراحة إلا للغافلين.
خاض معارك البناء بلا ضجيج، ورعى السيادة بعينٍ لا تنام، فغدت خطواته علاماتٍ دالّة في سجلّ الوطن، تشهد بأن القيادة ليست زينة مقام، بل عبء رسالة، وسؤال مصير.
هكذا، يستقرّ محمد ولد عبد العزيز في وجدان المرحلة، لا كاسمٍ عابر، ولا كذكرى مُعلّقة، بل كصفحةٍ مكتوبة بلغة الصبر والصرامة، وممهورة ببصمة الإرادة. هو شاهدٌ على زمنٍ اشتدّت فيه الأسئلة، وتكاثفت فيه الرهانات، فكان الجواب فعلًا، لا شعارًا.
تلك سيرته في مرآة التاريخ: رجلٌ مضى، وبقي أثره، وسار، فظلّ صوته مكتوبًا في ضمير الدولة، علامةً على أن المجد لا يُهدى، بل يُصاغ بالعقل، ويُثبت بالعمل، ويُحرس بالإخلاص.
من ص/ المدون Brahim Abdellahi
