بين رطوبة الجدران و جفاف الضمائر....

أحد, 08/02/2026 - 22:19

بنشاب : حين تضيق الأمكنة عن احتواء الكرامة، وتتحوّل الجدران من سترٍ إلى سكاكين صامتة، يُدرك العاقل أنّ القضية لم تعد حبسَ رجل، بل امتحانَ ضمير أمة. وفي زاويةٍ باردةٍ من زوايا النسيان، يقيم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز تحت سقفٍ لا يحمي، وجدارٍ لا يصون، وصمتٍ لا يرحم.

ليست الغرفة التي يُقيم فيها محمد ولد عبد العزيز مجرّد حيّزٍ إسمنتيٍّ محدود، بل هي مرآةٌ عارية لخللٍ عميق في ميزان العدالة والرحمة. تتسرّب المياه إلى مسامّ الجدران، كما يتسرّب الإهمال إلى مفاصل القانون، فتختلط الرطوبة بالبرد، ويختلط الوجع الجسدي بالقهر المعنوي.
رجلٌ أنهكته التهابات الركب، وأتعبته أوجاع المفاصل، لا يُقاس وضعه بمنطق العقوبة، بل بمعيار الإنسانية. غير أنّ الواقع يصرّ على معاملته كجسدٍ فائض عن الحاجة، وكاسمٍ يُراد له أن يذوب في عتمة الظروف القاسية. فالغرفة الرطبة ليست صدفةً هندسية، ولا خللًا عابرًا في البنية، بل عنوانًا صارخًا لاختلال الإرادة في صيانة الحدّ الأدنى من الحقوق.
وهنا لا يعود الصمت حيادًا، بل يتحوّل إلى شراكةٍ خفيّة، ولا تعود اللامبالاة تقصيرًا إداريًا، بل موقفًا مكتمل الأركان. فمن رأى البلل ينهش الجدران، والبرد يطوّق العظام، والمرض يتكاثر في المفاصل، ثم آثر السلامة، فقد اختار موقعه في سجلّ المسؤولية.
إنّ العدالة التي تُدار بميزانٍ أعور، لا تُنصف خصمًا ولا تُقوّم مسارًا. والسلطة التي تعجز عن توفير غرفة جافة، ودواءٍ منتظم، ومتابعةٍ طبيةٍ رصينة، تعجز عن الادّعاء بأنّها تحرس القانون أو تصون الكرامة. فالسجون، مهما اشتدّ قيدها، لا تُنشأ لتكون مصانع للأوجاع، ولا مختبراتٍ لاستنزاف الأجساد.
محمد ولد عبد العزيز، مهما اختلف الناس حول مسيرته، يبقى إنسانًا له حقّ ثابت في العلاج، وحرمةٌ لا تسقط بتبدّل المواقع. والاعتداء الصامت على صحته، عبر الإهمال والبرودة والرطوبة، هو ضربٌ من العقوبة المضافة، لا يقرّه شرع، ولا يبرّره قانون، ولا يستسيغه ضمير حيّ.

إنّ ما يجري اليوم في محيط احتجاز محمد ولد عبد العزيز ليس تفصيلًا هامشيًا، بل علامة فارقة في اختبار الدولة لنفسها قبل أن تختبر غيرها. فإمّا عدالةٌ تُصان فيها الأجساد كما تُصان النصوص، وإمّا منظومةٌ تُتقن كتابة القوانين وتفشل في تجسيدها.
ومن عجز عن حماية إنسانٍ من بلل الجدران وبرد الليالي، لن يقوى على حماية وطنٍ من تصدّع القيم وانهيار الثقة. فليُجفَّف الجدار أولًا، ولتُداوَ المفاصل، قبل أن يُترك التاريخ ليكتب، بلا رحمة، شهادة الإدانة الأخيرة.