
بنشاب : في قلب الصحراء الكبرى، حيث تبدو الجغرافيا قاسية على البشر، وُلد نظام اجتماعي شديد المرونة: القبيلة. في موريتانيا، لم تكن القبيلة مجرد رابطة دم، بل منظومة حكم وتنظيم واقتصاد وحماية. وعلى امتداد قرون، شكّلت هذه البنية العمود الفقري للمجتمع، قبل أن تدخل في احتكاك طويل مع الدولة الحديثة، من الاستعمار إلى الاستقلال، وصولًا إلى عصر المدن والاتصال الرقمي. هذا التحقيق يتتبّع تحوّلات القبيلة الموريتانية: من سلطة الصحراء إلى نفوذ الشبكات.
1) جذور عابرة للصحراء: حين حكمت صنهاجة طرق القوافل
تُظهر المصادر التاريخية الوسيطة أن المجال الموريتاني كان، حتى القرن الرابع عشر، فضاءً صنهاجيًا أمازيغيًا، تتحكم قبائله في عقد التجارة العابرة للصحراء التي تربط سجلماسة وتمبكتو. ومع قيام دولة المرابطين في القرن الحادي عشر، تَرسّخ دور الصحراء كمجال سياسي وديني فاعل في تاريخ المغرب الكبير وغرب إفريقيا.
غير أن موجات الهجرة العربية اللاحقة، خصوصًا قدوم بني حسان بين القرنين 15 و17، أعادت توزيع القوة. لم يكن التحوّل مجرد غلبة عسكرية، بل إعادة تركيب للنظام الاجتماعي، حيث انتقلت الهيمنة المسلحة إلى القبائل الحسانية، فيما أعادت القبائل الصنهاجية التموضع في أدوار العلم والوساطة الدينية والتجارة.
توثيق: إشارات تاريخية حول المرابطين وشبكات القوافل تظهر في مدونات الجغرافيين المسلمين (البكري، الإدريسي) وفي أرشيف الرحّالة الأوروبيين لاحقًا.
2) نظام طبقي غير مكتوب: السيف والكتاب والجباية
تشكل في المجتمع البيظاني نظام تراتبي وظيفي حافظ على الاستقرار الاجتماعي في بيئة شحيحة الموارد:
الحَسّان: قبائل المحاربين، احتكرت القوة المسلحة والحماية.
الزوايا/الطلبة: سلطة دينية وتعليمية وقضائية، شكّلت ميزانًا أخلاقيًا مقابل السيف.
الزناگة: قبائل خاضعة للجباية مقابل الحماية، أدّت أدوارًا اقتصادية أساسية.
هذا التوزيع لم يُدوَّن في قوانين، لكنه حكم أنماط التملك، والقرابة، والتحالف، وحتى خرائط النفوذ في المجال الصحراوي.
3) الإمارات قبل الدولة: سلطة تُدار بالتحالف
قبل القرن العشرين، كانت إمارات مثل الترارزة والبراكنة وآدرار تُدار بمنطق التحالفات القبلية والمصاهرات وشبكات الوساطة الدينية. الأمير لا يحكم بالسيف وحده؛ بل بشرعية رمزية تُبنى عبر حماية طرق التجارة، وضمان الأمن، والتوازن مع الزوايا. كانت القبيلة هنا وحدة تعبئة سياسية وعسكرية في غياب الدولة المركزية الحديثة.
4) الاستعمار الفرنسي: إضعاف السيف… وإعادة تدوير القبيلة
مع مطلع القرن العشرين، سعت الإدارة الاستعمارية الفرنسية إلى تحييد القوة المسلحة التقليدية، لكنها اعتمدت في الوقت ذاته على الزعامات المحلية لإدارة المجال. هكذا جرى تفكيك جانب من السلطة القبلية العسكرية، مقابل إدماج زعماء في منظومة حكم غير مباشر. النتيجة: لم تختفِ القبيلة، بل غيّرت أدوات نفوذها.
توثيق: وثائق الإدارة الاستعمارية في غرب إفريقيا الفرنسية تُظهر اعتماد «السياسة الأهلية» على الوسطاء المحليين لضبط المجال الريفي.
5) بعد الاستقلال: صدام منطقين
عقب استقلال موريتانيا عام 1960، واجهت الدولة الناشئة مجتمعًا تُنظّمه روابط تقليدية. فتوسّع التعليم والجيش والإدارة أتاح مسارات ترقٍّ جديدة خارج القالب القبلي، لكن الانتماء ظل حاضرًا في السياسة والانتخابات والوساطة الاجتماعية.
يقول باحث موريتاني في علم الاجتماع السياسي:
«القبيلة لم تعد تحكم بالسلاح، لكنها ما تزال تؤثر عبر الشبكات والعلاقات. النفوذ اليوم ناعم، لكنه واسع الانتشار».
6) المدينة تغيّر القواعد: من الرعي إلى الشبكات
الهجرة إلى نواكشوط ونواذيبو غيّرت وظيفة القبيلة. في المدينة، تحوّلت الروابط القبلية إلى شبكات تضامن في السكن والعمل والتجارة والهجرة. هذا التحوّل خفّف من صدام السيف، لكنه خلق إشكاليات تتعلق بتكافؤ الفرص حين تتحوّل الشبكات الاجتماعية إلى وساطة غير رسمية داخل سوق العمل والوظيفة العمومية.
7) جيل جديد وهوية مرنة
جيل الشباب المتصل بالعالم عبر الإنترنت يعيد تعريف الانتماء. بالنسبة لكثيرين، القبيلة هوية ثقافية لا يجب أن تتحوّل إلى أداة امتياز أو إقصاء. هذا التحوّل القيمي يتقاطع مع توسّع التعليم، وصعود المجتمع المدني، وتنامي خطاب المواطنة والحقوق.
8) المستقبل: كيف تُبنى المواطنة في مجتمع تعددي؟
يتفق خبراء على أن تفكيك الأبعاد الإقصائية للقبيلة لا يتم عبر المواجهة، بل عبر سياسات عمومية طويلة النفس: تعليم نوعي، دولة قانون، شفافية في التوظيف، وفصل الانتماء الاجتماعي عن الاستحقاق السياسي. الهدف ليس محو القبيلة بوصفها ذاكرة وهوية، بل تحييدها عن منطق الامتياز داخل الدولة الحديثة.
من طرق القوافل إلى شوارع المدن الساحلية، أعادت القبيلة الموريتانية تشكيل نفسها مرارًا. لم تختفِ، لكنها غيّرت أدواتها: من السيف إلى الشبكة، ومن الحماية المسلحة إلى رأس المال الاجتماعي. التحدّي اليوم أمام موريتانيا هو تحويل هذا الإرث إلى طاقة اجتماعية إيجابية داخل دولة مواطنة عادلة، حيث تكون الهوية الثقافية مصدر ثراء، لا معيارًا للنفوذ.
تحقيق صحفي دولي:
محمدعبد الرحمن ول عبدالله
صحفي وكاتب ، موريتاتي
