
بنشاب : كان ولد إنجاي، بالأمس القريب، لا يرى في ولد عبد العزيز مجرد رئيس سابق، بل قديسًا سياسيًا تُعلّق صوره كما تُعلّق التمائم، وتُتلى مآثره كما تُتلى الأذكار.
كانت المواقف مستقيمة… بقدر ما تكون الظهور منحنية.
ثم دارت عجلة السلطة، فاكتشف الرجل فجأة أن الجدران تحتاج إلى إعادة ترتيب، وأن الصور — مثل المبادئ — قابلة للإزالة دون أثر يُذكر. اختفت صورة ول عبد العزيز من المنزل، واختفى معها تاريخ طويل من التقديس، وكأن الذاكرة السياسية تُمسح بمنديل انتهازي ناعم.
ولأن النفاق لا يكتمل إلا بتفاصيله الصغيرة، جاء مشهد الغياب عن العزاء في وفاة والد الرجل الذي كان “رمزًا ومرجعية”، ليؤكد أن الوفاء في هذه المدرسة السياسية موسمي، يخضع لتقلبات الطقس السلطوي لا لثوابت الأخلاق.
هذه ليست شجاعة مراجعة، ولا نضجًا سياسيًا، بل رياضة وطنية في القفز من السفينة قبل أن تميل.
ليس تغيير موقف، بل تغيير ديكور.
ليس نقدًا للتجربة، بل إنكارًا للصور بعد أن شاخت.
الصورة المتداولة لا تمثل شخصًا فقط، بل طقسًا كاملًا من طقوس الركوع في محراب التزلف والنفاق؛ حيث تُعبد السلطة ما دامت واقفة، وتُرمى في أول منعطف، وحيث يكون المبدأ خفيفًا بما يكفي ليُعلّق اليوم ويُنزَع غدًا دون عناء ضمير.
في هذا المشهد، لا نحتاج إلى معارضة ولا موالاة، بل إلى ذاكرة لا تُمحى بالمسح، وكرامة لا تُنزَل عن الحائط.
