لماذا تصنع الشعوب أصنامها؟

أربعاء, 14/10/2026 - 06:57
كاتب و مفكر / جنوب سوداني

بنشاب : ليست الأصنام بالضرورة تماثيل من حجر. قد تكون أشخاصا نمنحهم من القداسة ما يحول دون مساءلتهم، ونرفعهم فوق النقد، ثم نقنع أنفسنا بأن وجودهم ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها. وحين يتحول الحاكم من موظف في الدولة إلى رمز مقدس، ومن شخص قابل للخطأ إلى شخصية لا يجوز الاعتراض عليها، فإن المجتمع لا يكون أمام سلطة سياسية فحسب، بل أمام صناعة كاملة للصنمية السياسية.فإن السؤال عن الاستبداد لا ينبغي أن يتوقف عند الحاكم: لماذا يستبد الحاكم؟ بل يجب أن يمتد إلى المجتمع نفسه: لماذا تقبل الشعوب أن تمنح فردا واحدا كل هذه السلطة؟

إن الطغيان لا يستمد قوته من أجهزة الدولة وحدها، بل يستمد جزءا من قوته من الثقافة التي تقبل وجوده، ومن الخوف الذي يبرر استمراره، ومن النخب التي تتكيف معه، ومن الجماهير التي تبحث فيه عن صورة الأب أو المنقذ أو القائد الذي يعفيها من مشقة الاختيار.فالشعب الذي يخاف الحرية قد يبحث عن مستبد يحكمه باسم الاستقرار، والشعب الذي يخشى المسؤولية قد يفضل حاكما يتخذ القرارات نيابة عنه، والشعب الذي فقد ثقته بالمؤسسات قد يتعلق بشخص يَعِده بالخلاص. وهنا تبدأ عملية صناعة الصنم: لا يعود الحاكم مجرد ممثل للسلطة، بل يصبح اختصارا للدولة، ثم للوطن، ثم للحقيقة نفسها.عندها يصبح نقده اعتداء على الوطن، ومعارضته خيانة، ومساءلته تشكيكا في الدولة.لأن السلطة لا تعود بحاجة إلى الدفاع عن نفسها في كل مرة، إذ يتكفل المجتمع بالدفاع عنها.لكن تحميل الشعوب وحدها مسؤولية صناعة الأصنام سيكون تبسيطا للمشكلة. فهناك طبقة كاملة من المثقفين والسياسيين والإعلاميين تشارك في هذه الصناعة، أحيانا خوفا، وأحيانا انتفاعا، وأحيانا بسبب قناعة بأن الاستقرار أهم من الحرية.النخبة التي تعرف أن الحاكم يخطئ ثم تصمت، لا تختلف كثيرا عن السلطة التي ترتكب الخطأ. والكاتب الذي يحول الحاكم إلى بطل لا يكتب التاريخ، بل يشارك في تزويره. والإعلام الذي يستبدل النقد بالتبرير لا يحمي الدولة، بل يحمي السلطة من المساءلة.

وهكذا يصبح الاستبداد منظومة تتجاوز شخص الحاكم.قد يسقط الحاكم، لكن المنظومة التي صنعت صورته تبقى. وقد يأتي حاكم جديد يرفع شعارات مختلفة، ثم يعيد إنتاج السلوك نفسه، لأن المشكلة لم تكن في الشخص وحده، وإنما في تصور المجتمع للسلطة.قد ترفض الشعوب مستبدا لأنها تكره استبداده، لكنها لا ترفض دائما الفكرة التي جعلت الاستبداد ممكنا.قد تسقط صنما لتصنع آخر.وقد تهاجم الحاكم لأنه استولى على السلطة، ثم تبحث عن حاكم جديد يمنحها الشعور نفسه بالقوة والحماية. وقد ترفض عبادة الفرد نظريا، ثم تمارسها عمليا كلما ظهر شخص يمتلك الكاريزما أو الخطاب القادر على استثارة الخوف والأمل معا.لذلك فإن المشكلة الأعمق ليست في وجود الحاكم المستبد، وإنما في الحاجة الاجتماعية إلى الحاكم المستبد.فالمجتمع الذي ينتظر رجلا استثنائيا لينقذه من أزماته، يهيئ الظروف لظهور رجل يعتقد أنه استثنائي. والمجتمع الذي يربط مصير الدولة بمصير فرد واحد، يجعل سقوط الفرد أشبه بسقوط الدولة نفسها.أما المجتمع السياسي الناضج، فلا يحتاج إلى بطل كي يستمر. إنه يعتمد على المؤسسات، وعلى القانون، وعلى تداول السلطة، وعلى قدرة المواطن على مساءلة من يحكمه دون أن يُتهم بخيانة وطنه.النقد ليس عداء للوطن، كما تحاول السلطات أحيانا تصويره، بل هو إحدى وسائل حماية الوطن من السلطة حين تتجاوز حدودها. والحاكم الذي لا يحتمل النقد ليس قويا كما يبدو؛ بل هو حاكم يعرف أن سلطته لا تستطيع البقاء أمام الأسئلة.

والشعب الذي يخشى السؤال يساهم، من حيث لا يدري، في حماية السلطة من الحقيقة.إن أخطر لحظة في حياة أي نظام سياسي ليست عندما يصبح الحاكم قويا، بل عندما يصبح الخطأ الذي يصدر عنه غير قابل للنقد. ففي تلك اللحظة تفقد السلطة قدرتها على تصحيح نفسها، ويفقد المجتمع قدرته على محاسبتها، وتتحول السياسة من مجال للاختلاف والمساءلة إلى مجال للولاء والطاعة.وحين يصبح الولاء أهم من الحقيقة، يبدأ انهيار المجال السياسي.لهذا فإن إسقاط الأصنام لا يبدأ بإسقاط تمثال أو تغيير حاكم، وإنما بتغيير العلاقة النفسية والسياسية مع السلطة. يبدأ حين يفهم المواطن أن الحاكم ليس أبا، ولا مخلّصا، ولا رمزا مقدسا، وإنما موظف عام يخضع للقانون مثل غيره.ويبدأ أيضا حين تدرك النخبة أن مهمتها ليست تزيين السلطة، بل مراقبتها ونقدها وكشف أخطائها، وحين يصبح الاختلاف السياسي حقا لا تهمة، والمساءلة ممارسة طبيعية لا مؤامرة.فالأصنام لا تصنعها السلطة وحدها.

تصنعها أيضا حاجتنا إلى السلطة حين تتحول هذه الحاجة إلى تبعية، وخوفنا حين يتحول إلى طاعة، وإعجابنا حين يتحول إلى تقديس، وصمتنا حين يتحول إلى مشاركة.ولهذا، فإن السؤال الأكثر إزعاجا ليس: من صنع الطاغية؟ بل: ما الذي جعل المجتمع مستعدا لصناعته؟وفما دام المجتمع يبحث عن المنقذ، فسوف يظهر من يقدم نفسه منقذا. وما دام المواطن يمنح الحاكم سلطة لا يملك حق امتلاكها، فسوف تتحول السلطة إلى استبداد. وما دام النقد يُنظر إليه باعتباره خيانة، فسوف تجد الأصنام دائما من يحرسها.إن إسقاط الصنم الحقيقي لا يبدأ بإسقاط الشخص من فوق المنصة، بل بإسقاط الفكرة التي وضعته فوق النقد.

#زكريا_نمر