
بنشاب : في تاريخنا الحالي، نحن أمام واحدة من أخطر المراحل التي يمكن أن تمر بها أمة؛ ليست لأنها مرحلة القمع الصريح، ولا لأنها زمن الانقلابات الكبرى أو الحروب المعلنة، وإنما لأنها مرحلة الانتقامات الناعمة؛ ذلك النوع من الانتقام الذي لا يرفع سيفًا، ولا يعلن خصومة، ولا يترك وراءه بالضرورة جثة واضحة، لكنه يترك مجتمعًا كاملًا يفقد شيئًا فشيئًا قدرته على الثقة، وعلى التمييز، وعلى المقاومة.
فالاحتكار الاقتصادي حين يتحول إلى امتداد للنفوذ السياسي ليس مجرد فساد في السوق، بل يصبح وسيلة لإعادة ترتيب المجتمع وفق معيار القرب والولاء.
والفساد حين يصبح مقصورًا على القرابات ليس مجرد سرقة للمال العام، وإنما يتحول إلى رسالة صامتة تقول للناس إن الدولة لم تعد فضاءً مشتركًا، وإن الحظوظ تُوزع بحسب القرب لا بحسب الكفاءة.
وإثراء الأوباش ليس مجرد خطأ في توزيع الثروة، وإنما هو انقلاب في سلم القيم؛ لأن المجتمع الذي يرى أصحاب النزاهة عاجزين، وأصحاب النفاق صاعدين، والجهلة في مواقع القرار، لا يلبث أن يتعلم الدرس الأكثر خطورة: أن الأخلاق عبء، وأن الذكاء في المسايرة، وأن الطريق الأقصر إلى الصعود ليس أن تكون جديرًا، وإنما أن تكون مطيعًا.
وهنا تبدأ الكارثة.
فحين يُقدَّم المنافق على صاحب المبدأ، والجاهل على صاحب المعرفة، والمداهن على صاحب الشجاعة، فإن السلطة لا تفسد الإدارة فقط، بل تبدأ في إعادة صناعة الإنسان نفسه.
يصبح تسخيف الفضاء العام سياسة، وقتل الثقة وظيفة، وإشاعة الجبن نوعًا من الحكمة، وتحويل النفاق إلى مهارة اجتماعية، والغدر السياسي إلى براعة، والخداع إلى ذكاء.
وعندها لا تعود الأمة بحاجة إلى عدو خارجي كي تُهزم.
يكفي أن تُفسد معاييرها من الداخل.
فالأمم لا تسقط دائمًا حين يخترقها خصم قوي؛ أحيانًا تسقط حين يصبح أبناؤها عاجزين عن الاتفاق على معنى القوة، ومعنى الشرف، ومعنى الكفاءة، ومعنى الرجل الذي يستحق أن يُتَّبع.
إن أخطر ما تفعله الانتقامات الناعمة أنها لا تقتل الأجساد، وإنما تقتل النماذج.
تقتل صورة الإنسان الشجاع.
تقتل ثقة النزيه بنفسه.
تقتل رغبة الكفء في المنافسة.
تقتل لدى الشاب فكرة أن النجاح يمكن أن يكون نتيجة للاستحقاق.
وحين يموت هذا الإيمان، يصبح المجتمع قابلًا لإعادة تشكيله على صورة المنتفعين منه.
لهذا فإن مواجهة هذه المرحلة لا تكون بمجرد تبديل الأشخاص، ولا بمجرد تغيير الحكومات، ولا حتى بمجرد محاربة بعض مظاهر الفساد؛ لأن المشكلة أعمق من ذلك.
الانتقام الحقيقي من الانتقامات الناعمة هو أن نبني ضدها إنسانًا جديدًا.
إنسانًا يستعيد الشجاعة باعتبارها فضيلة، لا تهورًا.
ويستعيد النبل باعتباره قوة، لا سذاجة.
ويستعيد الكفاءة باعتبارها طريقًا إلى المكانة، لا عائقًا أمامها.
ويستعيد القدرة على الاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى عداوة، وعلى قول «لا» دون أن يرى في كلمة الرفض انتحارًا اجتماعيًا.
نحن بحاجة إلى ثورة أخلاقية معاكسة؛ ثورة لا تهدم المؤسسات، وإنما تعيد بناء المعايير التي تصنع الإنسان الذي يدير المؤسسات.
وهنا يمكن استحضار نيتشه، لا بوصفه وصفة سياسية جاهزة، وإنما بوصفه سؤالًا فلسفيًا عن الإنسان القادر على تجاوز الإنسان المقهور، الإنسان الذي لا يعيش على ردود الأفعال، ولا ينتظر اعترافًا من الآخرين، ولا يجعل قيمته رهينة بقبول الجماعة.
نحن بحاجة إلى إنسان قادر على الصمود، وعلى التكيف، وعلى صناعة المعنى، وعلى تحمل الخسارة دون أن يتحول إلى كائن حاقد، وعلى امتلاك القوة دون أن يتحول إلى طاغية.
إنسان القوة لا إنسان القهر.
فالفرق كبير بينهما.
القهر يصنع تابعًا يبحث عن فرصة للانتقام، أما القوة فتصنع إنسانًا قادرًا على البناء.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين أشخاص، وإنما بين نمطين من الحياة:
نمط يريد مجتمعًا خائفًا، متملقًا، متشككًا في نفسه، يرى في الذكاء نوعًا من الخداع، وفي النزاهة نوعًا من الغباء، وفي الشجاعة نوعًا من الحماقة.
ونمط آخر يريد مجتمعًا يعرف أن القوة ليست في امتلاك الآخرين، وإنما في امتلاك القدرة على بناء الذات.
وهذا هو معنى أخلاق القوة.
أن يصبح الإنسان قادرًا على الوقوف حين يجلس الجميع، وقادرًا على الكلام حين يصبح الصمت أكثر أمانًا، وقادرًا على الاعتراف بخطئه حين يصبح الاعتراف مكلفًا، وقادرًا على الانتصار دون إذلال المهزوم.
إن الأمة التي تريد أن تصنع قصة عظيمة تحتاج إلى أكثر من الاقتصاد والسياسة والمؤسسات.
تحتاج إلى سردية كبرى عن نفسها؛ قصة تجعل أبناءها يشعرون أن وجودهم ليس مجرد تعاقب أجيال على أرض واحدة، وإنما مشروع إنساني يستحق أن يُستكمل.
كل الأمم العظيمة احتاجت، في لحظة ما، إلى قصة تتجاوز الأفراد.
قصة تقول للناس: نحن قادرون على أن نكون أفضل مما نحن عليه.
أما إذا استمرت الانتقامات الناعمة في إعادة توزيع المكانة على أساس القرابة، والولاء، والنفاق، والخداع، وإذا أصبح الجبن حكمة، والمداهنة سياسة، والجهل خبرة، والفساد امتيازًا، فإننا لن نكون أمام مجتمع فاسد فقط، بل أمام مجتمع فقد جهازه المناعي الأخلاقي.
وهذه هي المرحلة التي يصبح فيها الانهيار هادئًا.
لا يسمع له صوت.
لا يخرج الناس إلى الشوارع.
لا تُحرق المؤسسات.
ولكن شيئًا ما يموت كل يوم.
تموت الثقة.
ثم تموت المنافسة.
ثم تموت الرغبة في الإنجاز.
ثم يتعلم الكفء الرحيل أو الصمت.
ثم يتعلم الشاب أن مستقبله ليس في قدرته، وإنما في علاقاته.
ثم تصبح الدولة مجرد شبكة من المصالح المتقاطعة.
وعندها تكون الأمة قد انتقمت من نفسها دون أن تطلق رصاصة واحدة.
لهذا، فإن أخطر سؤال في هذه المرحلة ليس: من يحكم؟
بل:
أي إنسان نريد أن نصنع؟
فإذا صنعنا إنسانًا جبانًا، متملقًا، بلا ثقة ولا مشروع، فلن تنقذنا أفضل القوانين.
وإذا صنعنا إنسانًا شجاعًا، نزيهًا، متكيفًا، قادرًا على المنافسة، مؤمنًا بأن له دورًا في قصة أكبر منه، فإن المؤسسات ستجد في النهاية من يحميها.
إن معركة المستقبل، في جوهرها، ليست معركة على السلطة فقط؛ إنها معركة على طبيعة الإنسان الذي سيحمل السلطة والثروة والمعرفة.
وإذا انتصرنا في هذه المعركة، يمكن أن تتحول الانتقامات الناعمة إلى نهايتها الطبيعية: ثورة أخلاقية هادئة، تعيد الاعتبار للقوة والنبل والكفاءة والشجاعة.
أما إذا خسرناها، فربما لن يكون آخر هذه القصة سقوط نظام أو رحيل حاكم، وإنما ظهور أخطر من ذلك كله:
أمة مختثّة، فقدت قدرتها على الإنجاب الرمزي؛ لا تنتج أبطالًا، ولا تصنع أفكارًا، ولا تؤمن بمستقبلها، ولا تملك قصة عظمى تحكيها لأبنائها.
وعندها لا يكون السؤال: من هزم الأمة؟
بل يكون السؤال الأكثر قسوة:
متى بدأت الأمة تهزم نفسها؟
من ص/ رومل البيظاني/ فيسبوك
