
بنشاب : من الجليّ أن السؤال الذي ألقاه الصحفي الهيبة ، يحمل في طياته دلالة منطقية وفلسفية عميقة تجاوزت حدود لحظته العابرة. فقد انطلق من مقدمة حصرية ومقارنة غير واعية حين صرّح بأن «الفساد انتشر في عهدكم»، ومثل هذا التعبير المجهد منطقياً يستلزم بالضرورة دلالة مفهوم المخالفة؛ أي إن الفساد لم يكن منتشراً أو ساداً قبل هذه الحقبة بالتحديد.
وهنا يقع الصحفي المعارض في فخ البرهنة غير المقصودة؛ فلو تتبعنا تسلسله المنطقي خطوة بخطوة، نجد أن إقراره بأن الفساد بلغ أوجه وتفشيه حصراً في العهد الحالي، ينتهي برهانياً إلى أن مستوى الفساد في عهد الرئيس السابق كان أقل حجماً وأقل انتشاراً. ومن هذا الحصر المباشر، يظهر جلياً أنه يبرئ حقبة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز ويقر ضمنياً بتراجع الفساد فيها، محولاً محاربته للفساد إلى منجز حقيقي، ومقدماً شهادة مجانية غير مقصودة لحقبة كان يُفترض أنه من أشد معارضيها.
وكان الأحرى بالصحفي، لو استقام لديه البناء المنطقي واتسقت الرؤية الفلسفية لنقده، أن يركز على استمرارية الظاهرة وتجذرها التاريخي كبنية هيكلية، كأن يقول إن الفساد المستشري الذي نهك البلاد عبر تاريخها المتطاول لم يجد في حكمكم أي تغيير أو ردع. غير أن الاندفاع لتوجيه ضربة إعلامية مباغتة جعل السؤال يرتد على صاحبه، ليتجلى الهيبة -رغم جزالة لغته وقوة نبرته- كمن أراد رمي الشجرة فاحتطب لنفسه مغالطة منطقية صريحة، أهدت غريمه السياسي السابق صك براءة غير مشروط، وأثبتت أن الحماس الصحفي حين يغفل عن صرامة المنطق يقلب الاحتجاج على صاحبه ويربك القضية برمتها.

