جريمة إهمال لا تُغتفر في محظرة يفترض أن تكون مأمنًا لا مقبرة

أربعاء, 04/02/2026 - 12:54

بنشاب : أكتب هذه السطور وأنا تحت وقع فاجعة أدمت القلب وكسرت الظهر: فاجعة وفاة ابني وابن أختي، سيدي محمد محفوظ داها، ذلك الشاب الذي كان مثالًا للأخلاق، وحُسن السيرة، والأدب الجم، والسعي الدؤوب إلى التحصيل العلمي واكتساب المعارف.

لقد التحق الفقيد، رفقة أخيه الأصغر وخاله الذي يكبره بسنين قليلة، بمحظرة في ضواحي بوتلميت، طلبًا للعلم الشرعي، ووفاءً لتقليد علمي عريق شكّل عبر القرون مفخرة موريتانيا ووسمها في العالم الإسلامي ببلاد المليون شاعر والمليون حافظ. لكن ما كان يفترض أن يكون موطن علم وأمان، تحوّل — بفعل الإهمال والتفريط — إلى مسرح مأساة إنسانية لا يمكن السكوت عنها.

تعرض سيدي محمد محفوظ لوعكة صحية مفاجئة داخل المحظرة، وكان لزامًا على شيخها، بوصفه أمينًا على أرواح طلابه قبل علمهم، أن يتعامل مع الوضع بما تفرضه المسؤولية الشرعية والأخلاقية والإنسانية. غير أن ما حدث كان صادمًا ومخزيًا: تفريط واضح، وإهمال جسيم، واستهانة بحياة طفل أُودع أمانة لديه.

الشيخ، الذي تتوفر لديه جميع وسائل الاتصال الحديثة، بما في ذلك أجهزة مرتبطة بالشبكة عبر Starlink، ووسائل نقل تمكّنه من التصرف العاجل، لم يكلّف نفسه عناء إبلاغ ذوي الطفل بحقيقة وضعه الصحي. لم يتصل، لم يُحذّر، لم يطلب إسعافًا عاجلًا، ولم يسمح حتى لخال الطفل بمرافقته حين قرر — متأخرًا — نقله بعد أن فارق الحياة.

والأدهى من ذلك، أن الشيخ حمل جثمان الطفل في سيارته الخاصة وتوجه به إلى العاصمة نواكشوط، دون إبلاغ والدته إلا بعد الوصول، حيث أكد الطبيب المداوم في مركز الاستطباب الشيخ زايد أن الوفاة حدثت منذ أكثر من ساعتين ونصف، وهي المدة الزمنية نفسها تقريبًا التي تستغرقها الرحلة بين المحظرة ونواكشوط. أي أن الطفل كان قد فارق الحياة، بينما كان يمكن — لو أُبلغ أهله في الوقت المناسب — أن يُتخذ ما يلزم لإنقاذه أو على الأقل لوداعه بكرامة.

إن هذا السلوك لا يمكن وصفه إلا بأنه عمل جبان، ولا مسؤول، ويفتقر إلى أدنى معاني الأمانة. وهو لا يمثل المحظرة الموريتانية في شيء، تلك المحظرة التي ذاع صيتها عبر العالم الإسلامي كمؤسسة علم وأخلاق وتربية، لا كمكان إهمال وتستر وطمس للحقائق.

وما يزيد هذه الفاجعة فداحة، أنها ليست الأولى من نوعها؛ فقد سُجلت قبل أكثر من أربعة أشهر حالة وفاة أخرى في ظروف مماثلة لشاب كان يدرس في المحظرة نفسها، ما يطرح أسئلة خطيرة حول تكرار الإهمال، وغياب الرقابة، واستسهال التضحية بأرواح الأبرياء.

وعليه، فإننا نطالب السلطات المختصة — القضائية والإدارية والأمنية — بفتح تحقيق عاجل، شفاف، وجاد في هذه الكارثة، ومحاسبة كل من ثبت تقصيره أو تسببه، فعلًا أو امتناعًا، في هذه الجريمة الأخلاقية والإنسانية. فدماء الأبرياء لا يجب أن تُطوى بالصمت، ولا أن تُبرر بذرائع واهية.

رحم الله سيدي محمد محفوظ داها، وجعل مثواه الجنة، وألهمنا الصبر والسلوان.

وسيظل السؤال قائمًا: كم روحًا يجب أن تُزهق، حتى نعيد للأمانة معناها، وللمحظرة قدسيتها؟

من صفحة الاعلامي الشيخ ولد زين الاسم