
بنشاب : محمد عبدالرحمن عبدالله
صحفي متابع لشؤون دول الساحل
شهدت النيجر، فجر الخميس، واحدًا من أخطر الهجمات الإرهابية المسلحة خلال الأشهر الأخيرة، حين استهدف مسلحون قاعدة جوية عسكرية داخل محيط مطار نيامي الدولي، في عملية عكست تحولًا نوعيًا في تكتيكات الجماعات المتطرفة، ورسائل سياسية وأمنية تتجاوز حدود الدولة النيجيرية.
● الهجوم: استهداف القلب السيادي
بحسب بيان رسمي صادر عن السلطات، أسفر الهجوم عن إصابة أربعة عسكريين، فيما أعلنت القيادة العسكرية مقتل عشرين من المهاجمين واعتقال أحد عشر آخرين.
ووصف البيان منفذي العملية بـ«المرتزقة»، في توصيف يحمل أبعادًا سياسية تتجاوز الإطار الأمني التقليدي، ويعكس طبيعة القراءة الرسمية للهجوم باعتباره جزءًا من تهديد منظم يستهدف الدولة ومؤسساتها السيادية.
● اتهامات مباشرة وسردية الصراع الإقليمي
وفي تصعيد لافت، اتهم رئيس المجلس العسكري الحاكم، الجنرال عبد الرحمن تياني، رؤساء فرنسا وبنين وكوت ديفوار بدعم الجهات المسؤولة عن الهجوم، دون تقديم أدلة علنية حتى الآن.
وفي المقابل، أشاد تياني بما وصفه بـ«الدعم الفعّال للشركاء الروس» في صدّ الهجوم، في إشارة واضحة إلى التحول الجيوسياسي الذي تشهده النيجر منذ الانقلاب العسكري، وإلى إعادة تشكيل تحالفاتها الأمنية خارج الإطار الغربي التقليدي.
هذه التصريحات لا يمكن فصلها عن سياق التوتر المتصاعد بين نيامي وعدد من العواصم الإقليمية والدولية، كما تعكس اعتماد السلطة الحالية خطابًا سياديًا حادًا، يربط بين التهديدات الأمنية الداخلية وصراعات النفوذ الإقليمي والدولي.
● الأسباب: لماذا الآن؟
يأتي هذا الهجوم في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها عدة عوامل رئيسية:
تصاعد نشاط الجماعات الإرهابية في الساحل
تشهد منطقة الساحل الأفريقي تمددًا ملحوظًا لتنظيمات مسلحة مرتبطة بـ«داعش» و«القاعدة»، مستفيدة من هشاشة الحدود واتساع المجال الجغرافي وضعف حضور الدولة في الأطراف، مع انتقالها مؤخرًا إلى استهداف منشآت سيادية داخل العواصم.
● مرحلة انتقالية محفوفة بالمخاطر
التحولات السياسية التي أعقبت الانقلاب العسكري، وإعادة ترتيب العلاقات الأمنية، خلقت فراغات مؤقتة في منظومة الردع، غالبًا ما تستغلها الجماعات المسلحة لاختبار جاهزية السلطة الجديدة وقدرتها على فرض السيطرة.
● رسائل متعددة الاتجاهات
الهجوم لا يحمل رسالة أمنية فقط، بل سياسية أيضًا: التشكيك في قدرة الدولة على حماية بنيتها التحتية، وإحراج السلطة أمام الرأي العام، وفتح المجال لتدويل الأزمة عبر اتهامات متبادلة وتحالفات متنافسة.
●التداعيات: أمنية، سياسية، واقتصادية
أمنيًا: يتوقع تشديد الإجراءات الأمنية في نيامي والمنشآت الحيوية، مع تصعيد العمليات الاستباقية ضد الجماعات المسلحة.
سياسيًا: الاتهامات الموجهة لدول إقليمية وغربية مرشحة لتوسيع دائرة التوتر، وتعقيد أي مساعٍ لتنسيق أمني إقليمي مشترك.
اقتصاديًا: أي استهداف للمطارات والقواعد الجوية يبعث برسائل سلبية للمستثمرين وشركات الطيران، ويؤثر على حركة النقل والتجارة.
●الساحل على حافة الانفجار
ما جرى في نيامي ليس حادثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة من الهجمات التي تشهدها دول الساحل، حيث تتقاطع الأزمات الأمنية مع الفقر والتهميش وغياب التنمية، ما يجعل المعالجة العسكرية وحدها غير كافية لاحتواء التهديد.
الهجوم الإرهابي المسلح في النيجر يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على إدارة التهديد الأمني دون الانزلاق إلى عزلة إقليمية أو صدامات دبلوماسية أوسع.
فبين خطاب السيادة، وتبدّل التحالفات، واستمرار خطر الجماعات المتطرفة، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل تنجح النيجر في تحويل هذه الصدمة الأمنية إلى فرصة لبناء استراتيجية شاملة، أم أن الهجوم سيكون مقدمة لموجة اضطراب أعمق في قلب الساحل الأفريقي؟
