خبير الذكاء الاصطناعي المهندس أحمد ولد أعمر يكتب : التفاهة جريمة بيئية صامتة!

أربعاء, 14/01/2026 - 13:32

بنشاب : في عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد التفاهة مسألة ذوق، بل أصبحت استنزافًا صامتًا لموارد كوكبٍ متعب
بسبب أسئلة عابرة نكتبها بلا وعي، تمر عبر خوادم تلتهم الماء والطاقة، وتترك على الكوكب أثرًا أثقل من معناها.

فنحن نتعامل مع الذكاء الاصطناعي وكأنه كيان افتراضي خفيف، مجرد أسئلة وأجوبة عابرة في شاشة هاتف،
لكن الحقيقة أعمق وأكثر مادية مما نتصور.
خلف كل إجابة يولدها نموذج ذكي تقف منظومة ثقيلة من مراكز البيانات،
آلاف الخوادم، شرائح حوسبة فائقة الاستهلاك، شبكات تبريد، ومحطات كهرباء تعمل بلا توقف.
الذكاء الاصطناعي لا يعيش في “السحابة” بالمعنى الرومانسي، بل في بنية تحتية تستهلك من موارد الكوكب بشكل متسارع.

الأرقام تضعنا أمام واقع لا يمكن إنكاره.
مراكز البيانات عالميًا تستهلك اليوم ما يقارب 1.5٪ من إجمالي الكهرباء في العالم، أي مئات التيراواط/ساعة سنويًا،
مع توقعات رسمية بأن يتضاعف هذا الاستهلاك تقريبًا قبل نهاية العقد.
شريحة واحدة من شرائح الذكاء الاصطناعي المتقدمة قد تستهلك وحدها مئات الواطات،
لكن المشكلة ليست في الشريحة بحد ذاتها، بل في تجميع الآلاف منها داخل مراكز تعمل على مدار الساعة لخدمة ملايين المستخدمين في اللحظة نفسها.
هنا فقط نفهم كيف يمكن لمنظومة رقمية واحدة أن تقترب في استهلاكها من مدينة كاملة.

أما الماء، وهو الجانب الأكثر إخفاءً في هذا النقاش، فيُستهلك أساسًا لأجل التبريد. الدراسات العلمية تشير إلى أن تدريب نموذج ذكاء اصطناعي كبير واحد قد يستهلك مئات الآلاف من اللترات من المياه العذبة، وهو ما يعادل احتياجات الشرب لآلاف البشر لفترات طويلة. بعض التقديرات تتوقع أن يصل سحب المياه المرتبط بالذكاء الاصطناعي عالميًا إلى مليارات الأمتار المكعبة خلال سنوات قليلة إذا استمر التوسع بنفس الوتيرة، خاصة في ظل تمركز مراكز البيانات في مناطق تعاني أصلًا من ضغط مائي.

فالذكاء الاصطناعي، في شكله الحالي، يحقق قفزات معرفية هائلة مقابل فاتورة بيئية حقيقية.
كل محادثة تساوي زجاجة ماء، وكل سؤال يضيء بيت بالكهرباء، مما يجعل التراكم،
و التوسع غير المنضبط في استخدام هذه التقنية يشكل خطرا علي المنظومة البيئية لكوكبنا.

والمفارقة الطريفة المؤلمة أن المستخدم قد يفتح هاتفه ليسأل سؤالًا تافهًا من نوع: «كيف أصبح غنيًا؟»، فيأتيه رد طويل يمر عبر خوادم تستهلك كهرباء تكفيه ليوم كامل، وتبريد يستهلك من الماء الصالح للشرب أكثر مما يحتاجه جسده في ساعات. يبحث عن الثراء في سؤال عابر، دون أن يدرك أن سؤاله نفسه يمر عبر منظومة باهظة الكلفة، كأن الفقر الحقيقي ليس في الجيب، بل في الوعي بثمن المعرفة السريعة.

المسألة في جوهرها ليست رفض التكنولوجيا، بل وعي بثمنها. في عالم لا يزال فيه ملايين البشر يفتقرون إلى الماء الصالح للشرب والكهرباء المستقرة، يصبح السؤال أخلاقيًا بقدر ما هو تقني: كيف نضمن أن يكون ذكاء المستقبل أقل عطشًا للطاقة والماء؟ وكيف نوازن بين حق البشرية في المعرفة والتقدم، وحق الكوكب في البقاء قابلًا للحياة؟ الذكاء الحقيقي، في النهاية، ليس في قوة الخوارزمية فقط، بل في قدرتنا على استخدامها دون أن نستهلك أساس وجودنا.

تحيات المهندس
احمد ولد اعمر