إنه اتكلبيتِ في أبشع صوره..!

سبت, 21/12/2019 - 20:50
علي ولد رمظان

لقد شاهدت موريتانيا كلها كيف "كلبِِتَ" أتباع الرئيس السابق في أقل من 4 أشهر .. "كلبتوا" من "التَّمَسُّك" إلى "التَّفَلُّت ".. ولكن لا بأس، فإن المجتمع السياسي الموريتاني بئة حاضنة للتنكر والتقلب والتخفّي.. بل هو أكثر من ذلك بئة دافعة، ومشجعة ومحفزة على التقلب .. بئة تجعل الإنسان يتنفس الخيانة ويقتاب منها.
هكذا، تجد من يقول لك بأن "السياسة مصالح"، وأن "المصلحة اليوم مع هذا الرئيس وغدا تكون مع ذاك" .. ويقول لك: "لا تفكر، إنهم كلهم منقلبون، فلماذا تكلف نفسك البقاء في الدار الخالية" ،، و يقول لك: هكذا فعلوا مع المختار رحمه الله، وهيداله، ومعاوية، وسيدي، إلخ،،، وما عزيز إلا رئيس قد خلت من قبله الرؤساء"، إلخ،،، فلِم البقاء معه؟
هذا الكلام صحيح في شكله، باطل في جوهره.. إذ أن المصالح والسعي لأجلها ينبغي أن يتقيد بضوابط القيم والأخلاق؛ وإلاّ سقط سقوطا مزلزلا.. ثم إن هناك فرقا كبيرا بين ما حدث هذا الرئيس وذاك. مثلا: السادة الرؤساء المختار وهيداله ومعاوية سقطوا بانقلاب عسكري وزُج بهم في السجن او المنفى، إلخ،،، فتركوا السياسة نهائيا ولم يطلبوا من أنصارهم المدنيين دعما ولا مساندة،،، غادروا الساحة كليا بالقدر الذي يعطي لأنصارهم حرية التعامل مع الأوضاع.. هذا بالإضافة إلى تحريم أحزابهم وحل برلماناتهم وتفتيت أركان حكمهم: حزب الشعب والحزب الجمهوري والبرلمانات التابعة لهما..
وأما الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله، فإن انصاره ثبتوا معه، وهبوا لنصرته ومساندته. وقفوا معه وناضلوا وجاهدوا حتى أطلق سراحه وقدم استقالته وغادر الساحة السياسية. واعتبر الناس ذلك تقدما مهما في العقليات السياسية والمواقف والممارسات الميدانية. وتجدر الإشارة إلى أن حزب الرئيس سيدي، حزب عادل، لا زال موجودا، بل وأكثر من ذلك، فهو ممثل في البرلمان.
أما مع الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، فالأمر يختلف تماما. هذا الرجل خرج سلميا وديمقراطيا.. خرج وانصاره يصفقون ويصرخون ويصيحون ويجلجلون ببقائه لمامورية ثالثة ورابعة وخامسة.. خرج وهم يبكون شوقا إليه وحبا.. "تمسكوا" به و"تشبثوا" و"تعلقوا"... أعلنوه أفضل من الماء والكهرباء والطب،، وغيره مجرد "آمبيبلات".. سلم السلطة وغادر البلاد .. أخذ قسطا من الراحة في الخارج .. وعاد حرا طليقا .. طلب لقاء قومه ولم يجد من يرد عليه السلام.. لقد "كلبتوا" و تنكروا له وتخلوا عنه وتركوه...ولسان حالهم ومقالهم يقول مع فاطمة بنت مرة: "ذهب النور الذي كان معك"! ومن هذا الباب، فإن أمر عزيز يختلف عن سابقيه...
محل الشاهد، أما وقد تخلى القوم عن "سيدهم" و"ملهمهم" و"صانع مجدهم وثروتهم" بهذه الصورة من الخفة، فما الذي ينتظره منهم الرئيس الحالي؟ إنهم لا يستطيعون مواجهة الرئيس عزيز حتى ولو أرادوا ذلك.. أقصى ما يمكنهم فعله هو: الصلاة مع الرئيس المنتخب صلاة المحاذاة ويقرأون مع الفاتحة: "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون".. كأني بهم يتقاعسون ويتخفون وراء جدران الإدارات والوزارات الدسمة ويدفعون بآخرين إلى واجهة المبارزة .. على الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أن ينتبه لهذا الأمر .. والعاقل من اتعظ بغيره.