العنفُ اللّفظي: ظاهرةٌ تُهدّد مُجتمعات العالَم..

خميس, 09/05/2019 - 04:06
د. أمم ولد عبد الله

قد لاينتبه كثيرون للآثار النفسية السلبية التي تترتب على العنف اللّفظي والتي تتسبب في جراح غير مرئية تنزف لسنين طويلة، ويمكن أن تتطور لاحقاً لتظهرَ في شكل حروب وصراعات تُخلّف ضحاياكُثر وخسائر بمليارات الدولارات.

حاولت أثناء كتابتي لهذه السطور أن أقرأ عن هذا الموضوع الذي يبدو أنه لم يحظَ باهتمام كافٍ من قبل المختصين في علم النفس، ولا حتى باهتمام طلاب الكليات الأمنية المسؤولين بشكل مباشر عن مواجهة المخاطر التي يُسببها العنف بمختلف أنواعه. ورغم ذلك فقد صنّفت بعض الدول الغربية هذا النوع من العنف في قوانينها، ففي قرار لحكومة كيبيك Quebec الكندية نُشر عام 2015 تحت عنوان : les Formes de violence" " أو أنواع العنف، قسمت العنف اللّفظي إلى عدة أنواع من ضمنها رفع الصّوت لتخويف الآخرين، والتهديد والابتزاز والإهانة...
وفي السياق ذاته تحدث (أرين زيلينجي Irene Zeilinger) في محاضرة له ألقها أمام مجموعة من المتطوعين في مبنى بلدية ابروكسل في 11/04/2003 بعنوان : "العنف اللفظي، أوأبشع أنواع العنف، فكيف نتعامل معه ؟"، وقد نبّه إلى خطورة تصنيف معظم الناس لهذا النوع من العنف على أنه أقل حِدةً من العنف الجسدي، مُشيراً إلى الفجوة الكبيرة التي سببها عدم وجود قاموس معين لهذا النوع من العنف لكونه يختلف باختلاف ثقافة المجتمعات .
إن خطورة هذا النوع من العنف تتطلب منا تتبّعه من خلال نواة المجتمعات وكذلك مواطن تداوله في الحياة اليومية لمعظم شعوب العالم، وتبدو نظرتنا إلى الآخر إحدى الدافع الرئيسية للكثير من التصورات التي قدتتحول إلى عنف لفظي في أية لحظة، وسأحاول هنا تتبع مظاهر العنف اللفظي من خلال ثلاثة تجليات لها انعكاساتها المباشرة على تفكيك المجتمعات .
1- العنف اللفظي على مستوى الأسرة : في مجلة psychology Today) ) وتحديداً في عددها الصادر بتاريخ : 27/03/2015 تناولت الدكتورة Berit Brogaard D.M.Sci خمسةَ عشرَ نوعاً من أشكال العنف اللفظي الشائعة في العلاقات الزوجة Common Forms of Verbal Abuse in Relationships 15 وقد أعطت تفسيراً لميول بعض الأشخاص إلى العنف، فهم يسعون من ورائه لفرض سيطرتهم على شريكهم في الحياة، وقد يأخذ ذلك العنف عدة أشكال حسب الكاتبة من ضمنها السخرية والتقليل من شأن الشريك، وكذا الابتزاز فضلاً عن التجاهل وغيره من مظاهر العنف اللفظي. والحقيقة أن العنف اللفظي سواءً كان مباشراً أوغير مباشر قد ينعكس بصورة سلبية على الأطفال الذين يروحون ضحية خلافات تُؤثرعلى نفسياتهم وعلى تحصيلهم الدراسي وعلاقتهم بالآخرين، ولعل هذا هو السر في اهتمام معظم الباحثين بالجوانب المتعلقة بتأثير عنف الآباء على أبنائهم، لكنهم أهملوا حقيقة أن هذا التأثير قد يمتد ليشمل الأسر المجاورة داخل الحيز الجغرافي وحتى الزملاء في العمل.
2- العنف ضد المجتمع : يُشير الدكتور نادر كاظم في كتابه " تمثيلات الآخر : صورة السودان في المتخيل العربي الوسيط"، الذي نشر في لبنان 2004 ، الصفحة 214 نقلاً عن (ت. تودورولوف) إلى " أن الكل يصف بالهمجية من لا ينْتسِبُ لعرقه"، يبدو هذا واضحاً في العلاقة بين القوميات المختلفة من حيث العرقُ واللون، والتي لم تستطع لحد الآن أن تتجاوز عقدة اللون التي مازال الكثيرون يدفعون ثمنها من خلال اعتداء لفظي صارخ في ملاعب كرة القدم أوفي المدارس، ويكفي هنا أن نشير إلى الإحصائيات التي قدمها المعهد القومي للبحث في التعليم المنزلي في أمريكا NHERI)) الذي ذكر في دراسة نشرها 2011 أن أكثر من مليونيْ طفل في المدارس الأميريكية تم استبعادهم من مؤسساتهم من قبل ذويهم بسبب العنف اللفظي، ويذكر المعهد ذاته بحسب (اديا دام) أن 200 ألف طفل أسود أميريكي تخلوا عن الدراسة في المدارس النظامية نتيجة لهذا النوع من العنف. ويعكس توزيع الخريطة المدرسية بحسب اللون والعرق والمستويات الاقتصادية داخل أحياء المدن هذا العنف الصامت، والذي بدأ يهدد مجتمعات كثيرة، كما هو الحال مثلاً في موريتانيا، وكذا فرنسا التي عرفت في العشرية الأخيرة انتشاراً للعنف اللفظي في مدارسها وخاصةً السب والشتم بحسب ما أوضحته الباحثة MORIN Sonia في رسالة لها لنيل شهادة الماستر للعام الجامعي 2012-2013 تحت عنوان " العنف المدرسي، العنف في المدرسة ومنها"، ص 21-22 .
لقد عجزت قوة القانون في الدول الكبرى -حتى الآن- عن مواجهة أشكال العنف اللفظي الذي يدفع بالمجتمعات نحو تفكك خطير، في ظل انعدام القواسم المشتركة التي يمكن أن يختفيَ فيها هذا النوع من القواميس، والحق أن الإرث التاريخي للمجتمعات ساهم في ترسيخ لغة العنف التي يبدو أنها ازدادت انتشاراً لتصبح اللغة المفضلة لليمين المتطرف في أوروبا ولكل الحركات الراديكالية، التي دخلت عالم السياسة بأساليبها الخاصة التي لاتخلوا من التحريض ضد الآخر. ولم يقتصر هذا النوع من العنف على الأطفال في المدارس ولا على العمال المهاجرين، بل إنه شمل كذلك الفئات الأكثر هشاشةً مثل النساء وغيرهن، ففي دراسة أعدتها المؤسسة الأوروبية لتحسين ظروف العمل والمعيشة European Foundation for the Improvement of Living and Working Conditions ذكرت أن 10% من النساء تعرضن للعنف اللفظي في العمل مقابل 7% من الرجال، ويبدو أن انتشار بعض الظواهر الشاذة قد أدى إلى تعنيف أصحابها من قبل مجتمعاتهم، بحسب Zeilinger الذي قال إن %98 من النساء الألمانيات تعرضن للعنف اللفظي بسبب شذوذهن، وفي موريتانيا ينتشر العنف اللفظي داخل مجتمع مكون من فسيفساء من العرقيات التي تستحضر التاريخ وتفاصيل الحياة اليومية في استخدامهاللعنف اللفظي الذي أصبح جزءاً من أدبيات الخطاب السياسي، الذي لايخلو من نزعة المظلومية، وقد لاتكون مجتمعات المشرق العربي بمعزل عن هذا النوع من العنف الظاهر في تفاصيل الحياة اليومية لمعظم الوافدين، فقد نشرت جريدة القبس الكويتية في عددها الصادر بتاريخ:30/06/2017 دراسة بعنوان " العنف الأسري في المجتمع الكويتي" تناولت طرق التعامل مع الخادمات في المنازل، فأحرزت عبوسة الوجه النسبة الأكبر 60.9% يليها الصراخ في الوجه ب : 57.8 % ثم النظرة بعصبية 57.2 % فانتقاد تصرفاتهن بقسوة بنسبة 56 %، ويمكن تعميم هذه الحالة على معظم المجتمعات الخليجية، حيث تناول ناشطون على الإنترنت مختلف مظاهر التّعنيف اللفظي ضد العمالة الآسيوية .
3- العنف اللّفظي العابر للقارات : لم يعد العنف اللفظي يختصر على الأسر ولا على فئات اجتماعية متنوعة داخل بلد بعينه، بل إنه امتد ليصبح ظاهرةً كونية، وقدساهم في هذا الواقع انتشار وسائل الإعلام المختلفة، وتسخيرها من طرف دول لخدمة أجندات معينة، فضلاً عن الجيوش الألكترونية التي تصعب مراقبتها، لكونها ترمي بأكوام من السّباب العنيف ضد مسؤولين في بلدان قدلاتوافقهم التصور الإستراتيجية ذاته، وربما ضد جهات أومنظمات بعينها، الخطير في الأمر أن العنفَ اللفظي أصبح يعتمد على ثلاث لغات، منها لغة الجسد والصورة والكلمات النابية، ويُعاد نشر هذا الثالوث عبر ملايين الحسابات حول العالم لتنشأ بذلك منظومة من العداوة ضد المجاهيل عابرة للحدود، وهكذا تتحول الغالبية العظمى من سكان العالم إلى خلايا نشطة داخل منظومة من العنف اللفظي التي يُعاد تدويرها حسب طبيعة الصراع وحاجة بعض القوى الدولية والإقليمية إلى الأزمات المفتعلة، لكن الخلل في هذا الإنتاج العنيف أنه أصبح جزءاً من ذاكرة مجتمعات تتغذى على العداوة ضد الآخر منذ العصور الوسطى. قديكون المتغير الوحيد هو أن الآخر لم يعد المخالف لك في الدين أو العرق فحسب، بل إنه أصبح يخضع لمعيارين أحدها تمثله المصلحة الشخصية التي تعتمد في الغالب الأعم على نظرة تُعاني من العمى الإستراتيجي، وثانيهما تحقيق أهداف شخصية تتمثل في تعنيف كل من حولك، فقد صار إخضاعهم بالعنف اللفظي جزءاً من هُوية الدول، في عصر يحاول فيه "الأنا"( بمفهوم جغرافي اثني) إخضاع الكل لتأثيره وبأساليب لاتخلو من العنف المخل بالأبجديات التي نصّت عليها اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية في العام 1961، هذا الأمرمن شأنه أن يدخل مجتمعات العالم في دوامة من العنف اللفظي قد تساهم في تفكيكها بشكل أسرع من ما نتوقعه.